حجية الشعائر الدينية في السنة الشريفة
كان الكلام ولا زال في القسم الثاني من الأدلة التي استعرضها (الفاضل المعاصر) دام موفقاً. وإذا كان الأحبة يتذكرون، قلنا بأن (الفاضل المعاصر) وفقه الله قسم الأدلة المستند إليها لإثبات مشروعية الشعائر بقول مطلق إلى قسمين:
أقسام الأدلة المستند إليها
القسم الأول: ما تكون دلالته على المطلوب بالدلالة المطابقية، وذلك مثل قوله تعالى: (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ)، وأضراب ذلك كما عرفت فيما مضى.
القسم الثاني: ما تكون دلالته على المطلوب بالدلالة الالتزامية أو الدلالة الضمنية. وقد عرفت أنه قسم ذلك إلى ثلاثة أقسام: الآيات القرآنية، السنة، والضرورة.
أنهينا الحديث عن الآيات، وقد أضفنا إلى الآيات القرآنية قوله تعالى: (قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى)، وقد تعرضنا إلى كيفية تقريب دلالة الآية القرآنية ومدى الاستفادة منها ببيان مضى.
الدلالة من السنة الشريفة
فعلاً الكلام في النوع الثاني من أدلة القسم الثاني وهو عبارة عن (السنة). أشار (الفاضل المعاصر) وفقه الله بأن المتتبع في مجموع ما ورد عن السنة الشريفة يجد أنها متضافرة في وجوب تعظيم الشعائر الدينية وحرمة هتكها، بل إن هذا المضمون متواتر دلت السنة عليه بأقسامها الثلاثة: القولية، والفعلية، والتقريرية.
أولاً: السنة القولية
وردت مجموعة من الروايات دالة على وجوب تعظيم الشعائر الدينية بالدلالة المطابقية أو الدلالة التضمنية وبعضها بالملازمة. مما يشير إلى الدلالة المطابقية قوله عليه السلام في صحيحة معاوية بن عمار الواردة في باب هدي الحج واستحباب أن يختار الحاج الفحل الأفضل والأسمن من الأنعام، قال أبو عبد الله عليه السلام في آخر الرواية: (وعظم شعائر الله).
الأمر بالتعظيم ظاهر في الوجوب، كما أن ذكر الأمر بالتعظيم بعد بيان صفات الهدي من باب عطف العام على الخاص، فيدل على وجود ضابطة عامة تفيد وجوب تعظيم شعائر الله، وإنما ذكر الهدي من باب المصداق. ويكون هذا المضمون متوافقاً مع الآيات القرآنية الواردة في باب تعظيم الصفا والمروة والبدن.
ومما يدل على مشروعية الشعائر الدينية بصورة عامة بالدلالة التضمنية، الرواية الصادقية المعروفة: (أحيوا أمرنا، رحم الله من أحيا أمرنا). وكل البحث في ما هو المقصود من الأمر. المعنى الجامع للمعاني المذكورة والذي تكاد تتفق عليه الكلمة أن المقصود بـ (أمرهم) تعاليمهم الدينية؛ يعني أحيوا ديننا، أحيوا التعاليم التي صدرت منا مرتبطة بالدين سواء في مجال العقيدة أم في مجال الأخلاق أم في مجال الأحكام.
الوجه في إضافة الدين إليهم غرضه إخراج من أسس لنفسه ديناً ومنهجاً في مقابل دينهم، وإخراج من أشاد لنفسه مدارس ودولاً وأنظمة كما هو المعروف في تاريخ الإسلام والمسلمين. وهم عليهم السلام عين الدين وأصل الدين وفرع الدين، بل هم مظاهر قدرة الله سبحانه وتعالى.
ثانياً: السنة الفعلية
نحتاج أن نفرق بين الأشياء الصادرة من المعصوم عليه السلام بما هو بشر له مجموعة من الأحاسيس والمشاعر، وبين ما هو مصدر تشريع. مثلاً، النبي الأكرم صلى الله عليه وآله كان يحب (أكل الذراع) ويكره (أكل الورك) لقربه من المبال. ولذا أفتى شيخ الوسائل قدس الله تربته الطاهرة باستحباب أكل الكتف وكراهة أكل الورك أو الفخذ اعتماداً على ذلك.
السؤال الذي يطرح: هل أن هذا الصادر من النبي صلى الله عليه وآله يمثل حكماً تشريعياً فيترتب عليه البناء على أنه فعلاً يستحب أو يكره؟ أم لا؟ وموارد متعددة الصادرة من النبي صلى الله عليه وآله، مثلاً كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا جاءته بعض صويحبات خديجة عليها السلام يوليهن عناية واهتماماً، فهل يمكن استفادة حكم شرعي وهو استحباب إكرام أصحاب الزوجة؟
في تصورنا نحتاج أن نفرق بين الأشياء الصادرة من المعصوم عليه السلام بما هو بشر، وبين ما هو مصدر شرعي. الأولى لا يمكن أن يرتب عليها الأثر بخلاف الثانية. وهذه مسألة الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وآله: (لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ)، وتحديد دائرتها سعة وضيقاً سيتأثر تأثراً كبيراً حينئذ.
ثالثاً: السنة التقريرية (أو الضمنية)
من النوع الثالث ما يدل على المطلوب بالملازمة، كصحيحة أبي الصباح الكناني الواردة جواباً من الإمام الصادق عليه السلام عن سؤال. سئل الإمام الصادق صلوات الله وسلامه عليه عن التالي: (ما تقول فيمن أحدث في المسجد الحرام متعمداً؟) فقال: (قلت: يضرب ضرباً شديداً). قال عليه السلام: (أصبت، فما تقول فيمن أحدث في الكعبة متعمداً؟) قلت: (يقتل). قال: (أصبت).
تقريب الدلالة أن يقال بأن هذا النص يدل على حرمة الإهانة للبيت الحرام وعلى حرمة الإهانة إلى الكعبة المعظمة، فيدل بالملازمة العرفية بل العقلية على وجوب التعظيم لكل ما يكون مربوطاً بالله عز وجل والذي منه الشعائر.
يؤيد هذا المعنى بعض النصوص مثل صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (لو عطل الناس الحج لوجب على الإمام أن يجبرهم على الحج إن شاؤوا وإن أبوا). فإن هذا البيت إنما وضع للحج. تعليل الإمام عليه السلام يشير إلى قاعدة كلية مفادها أن كل ما وضع شرعاً لأجل غاية يجب على الناس أن يحققوها، ولا يجوز لهم الامتناع عن ذلك لأن الامتناع هتك لها.
ويستفاد من الحكم بإجبار الإمام عليه السلام الناس على أداء الحج شاؤوا أم أبوا، أن ملاك تعظيم شعيرة الحج والاهتمام بها أهم ملاكاً من قاعدة السلطنة التي تفيد أن كل إنسان مسلط على نفسه. ولذا الإمام عليه السلام يرغم الناس على الحج وإن أبوا، مع أن مقتضى أن الناس مسلطون أن ليس لأحد على أحد سلطة.
كذلك رواية أبي بصير تضمنت إشارة الإمام الصادق عليه السلام إلى الغاية من ذلك بقوله: (لا يزال الدين قائماً ما قامت الكعبة). وكذلك ورد هذا المضمون في الغاية من إجبار الناس على زيارة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، وذلك لكي تعرف الناس آثار رسول الله صلى الله عليه وآله وتعرف أخباره. إذن، يستفاد من جميع ما ذكر أن السنة القولية والفعلية والتقريرية تفيد حكماً كلياً وقاعدة عامة تدل على مشروعية مطلق الشعائر الدينية.