عنوان الدرس:

الدرس 28

اسم الأستاذ:

الشيخ محمد العبيدان

اسم الدورة: فقه الشعائر الحسينية - 2024-2025
تسلسل الدرس 28
تاريخ الدرس 06/04/2025
بسم الله الرحمن الرحيم
00:00 --:--

فقه الشعائر: دلالة آية المودة والإشكالات المثارة حولها

بسم الله الرحمن الرحيم، لا زال حديثنا مستمراً حول مسألة فقه الشعائر، وقد كنا نتحدث فيما تقدم حول الآيات المستند إليها في ذلك. وقد عرفت منا فيما مضى أن الفاضل المعاصر -دام موفقاً- قسم الأدلة الدالة على وجوب تعظيم الشعائر الدينية، والتي منها الشعائر الحسينية، إلى قسمين:

الأول: ما يدل على الحكم المذكور بالدلالة المطابقية، ويتمثل ذلك في مجموعة من الآيات القرآنية التي تقدم ذكرها.

الثاني: ما تكون دلالته على الحكم المذكور بالدلالتين التضمنية والالتزامية.

تعرضنا فيما سبق للبحث حول القسم الأول من الآيات القرآنية، وقد عرفت منا حالها وعدم تمامية شيء مما ذكر في هذا المقام. ثم بعد ذلك ثنينا الحديث عن القسم الثاني من الأدلة، وقد صنفها الفاضل المعاصر -دام موفقاً- إلى ثلاثة أصناف:

  • الصنف الأول: الأدلة اللفظية.
  • الصنف الثاني: الأدلة اللبية.
  • الصنف الثالث: ضرورات تعظيم الشعائر.

أما الصنف الأول فقد ذكر فيه نوعين من الأدلة: الكتاب العزيز، والسنة الشريفة بأقسامها الثلاثة (القول، والفعل، والتقرير). فعلاً تعرضنا للحديث عن القسم الأول وهو عبارة عن الكتاب العزيز زاده الله عزة وشرفاً ببيان قد تقدم، وتقريباً انتهينا من الحديث حول الآيات التي عرضها وفقه الله.

آية المودة: العرض والإشكالات

هناك آية عرضها بعض فضلاء العصر -دام موفقاً- لم يتعرض إليها الفاضل المعاصر، وهي آية المودة، فقد تمسك بها للدلالة على مشروعية الشعائر، ولما لهذه الآية الشريفة من أهمية في البعد العقدي عند الشيعة الإمامية بالخصوص، بل المفروض عند المسلمين، ولما يدور حولها من إشكال ينبغي أن نعرض إليها بنحو من التفصيل.

يقول عز من قائل في كتابه المجيد: (قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ). الظاهر من هذه الآية الشريفة أن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) قد سأل جراء قيامه بتبليغ الرسالة الأجر، وقد حدد ذلك الأجر الذي سأله في مودة قرابته. هذا الظهور القرآني استدعى ورود إشكالين في المقام:

الإشكال الأول: التنافي مع نفي الأجر

إن المضمون المستفاد من الآية القرآنية بجعل مودة قرابة النبي محمد (صلى الله عليه وآله) أجراً لرسالته يتنافى والعديد من الآيات القرآنية التي تضمنت نفي ثبوت أجر للنبي (صلى الله عليه وآله) على إبلاغ الرسالة وقيامه بمهماتها. مثلاً يقول تعالى: (لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا)، ويقول تعالى: (وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ الْعَالَمِينَ)، ويقول سبحانه: (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَن شَاءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلًا).

بل يستفاد من بعض الآيات الشريفة أن نفي الأجر على القيام بمهام الرسالة أصبح شعاراً يستكشف منه صدق النبي وأنه مبعوث من قبل الله سبحانه وتعالى، يقول تعالى: (وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَن لَّا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُم مُّهْتَدُونَ).

أوجب حصول المنافاة بين الآية الشريفة محل البحث والآيات القرآنية التي دلت على عدم ثبوت أجر على الرسالة التزام بعضهم بأن الآية محل البحث من الآيات المنسوخة، وهذا أيضاً أمر يستوجب الوقوف والنظر.

الإشكال الثاني: منافاة مقام النبوة

إن القول بجعل أجر للنبي (صلى الله عليه وآله) على ما قام به من عمل يتنافى ومقام النبوة كما هو معلوم؛ إذ كيف يتصور أن يطلب النبي (صلى الله عليه وآله) أجراً على إبلاغ رسالته وهو في قمة الإخلاص وأعلى مراتب التفاني في شأن الله تعالى؟ خصوصاً إذا التفت إلى أن المودة التي طلبها (صلى الله عليه وآله) تختص بفئة خاصة وهم قرابته، مما يشعر بالاهتمام بالعشيرة والأهل وإبراز محاباة لهم على البقية.

محاولات دفع الإشكالين وتأويل الآية

بسبب وجود هذين الإشكالين عمد المفسرون إلى عرض جملة من التفسيرات والتأويلات التي توجب دفع الإشكالين المتقدمين على الآية القرآنية وجعلها تنسجم مع الظاهر منها، فذكرت مجموعة أقوال أشير لبعضها:

القول الأول: تفسير القربى بالتقرب إلى الله

أن يقال: إن منشأ الإشكالين السابقين يعود إلى تفسير “القربى” الواردة في الآية القرآنية بالقرابة، والصحيح أن القربى في الآية القرآنية ليست بمعنى القرابة، وإنما يقصد من القربى التودد إلى الله سبحانه وتعالى، التقرب إلى الله عز وجل. وعليه سوف يكون معنى الآية حينئذ: (قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا) إلا أن تتوددوا وتتقربوا فيما يقرب إلى الله سبحانه وتعالى، وتلحوا في الدنو منه.

مناقشة هذا القول:
تعتمد تمامية هذا التفسير على ثبوت استعمال لفظة “القربى” الواردة في الآية القرآنية في معنى التقرب، أما ما لم يثبت هذا الاستعمال فلن يكون التفسير المذكور مقبولاً. تعالوا نرجع إلى كلمات أهل اللغة؛ هل يستفاد من كلمات أهل اللغة هذا المعنى؟ إذا رجعنا إلى كلمات أهل اللغة لم نجد استعمالاً في كلماتهم لمفردة القربى في معنى التقرب والتودد، بل الموجود في كلماتهم أنهم يستعملونها بمعنى القرابة لا بمعنى التقرب، ومن شاء فليراجع القاموس المحيط، ومعجم مقاييس اللغة، وأساس البلاغة، والمنجد، فإن جميع ما ذكرت نصوا على ما ذكرت.

وهناك إشكال ثالث يمكن أن نضيفه، وهو أنه سلمنا بأن المقصود من القربى في الآية القرآنية بمعنى التقرب إلى الله سبحانه وتعالى، لكن سوف يلزم من البناء على هذا المعنى أن يكون المقصود من الأجر الواقع في الآية القرآنية أجراً مجازياً وليس أجراً حقيقياً، مع أننا إذا رجعنا إلى سياق الآية القرآنية نستكشف أن المقصود من الأجر الواقع فيها أجر حقيقي وليس أجراً مجازياً.

القول الثاني: الخطاب موجه للمشركين

إن المنافاة المذكورة بين الآية الشريفة وبين غيرها من الآيات تتم لو كان الطلب فيها موجهاً للمسلمين، أما لو كان الطلب موجهاً للكفار فلا يأتي شيء من ذلك. والصحيح أن الخطاب في الآية القرآنية خطاب للمشركين المعارضين للنبي (صلى الله عليه وآله) وليس للمسلمين، فهو يذكر القرشيين الرحم بينه وبينهم، ويسألهم أن يكفوا عن أذاه ويحفظوه ولا ينكلوا به.

يشهد لهذا المعنى أن سورة الشورى من السور المكية وليست من السور المدنية، وعليه يكون المقصود من الآية القرآنية: يا معشر قريش، يا كفار مكة، لا أسألكم أجراً على ما بذلته معكم إلا أن تحفظوا قرابتي منكم.

مناقشة هذا القول:
يتوقف القبول بهذا التفسير على كون سورة الشورى مكية، وهذا يعني أنه لو أحرزنا أن الآية محل البحث من الآيات المدنية لن يبقى لهذا التفسير وجه أصلاً.

الحاصل عندنا أمران:
الأمر الأول: نص المؤرخون والمفسرون على أن الآية محل البحث (قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ) آية 23 من سورة الشورى، على أنها من الآيات المدنية. بل نصوا على أنها قد نزلت في أواخر حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله). ومجرد وقوعها في سورة مكية لا يعني أنها مكية، إذ من الممكن أن تقع آية مدنية في سورة مكية وبالعكس.

الأمر الثاني: بعد التسليم بكون السورة مكية، فإنه لا يُعرف وجه لوقوع التخاطب بين رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبين المشركين ليسأل منهم المودة له وحفظ القرابة وهم الذين لا يصدقون ولا يؤمنون بمقالته، بل قد جاء يسفه أحلامهم. إذن هذان الأمران يمنعان من أن يقبل بالتفسير الثاني.

المعنى المختار في تفسير الآية

الصحيح في تفسير الآية المباركة أن النبي (صلى الله عليه وآله) يسأل الأمة أجراً على رسالته، وقد حدد (صلى الله عليه وآله) ذلك الأجر في أنه مودة قرابته. وعليه سوف يكون معنى الآية هكذا: إن أجري على رسالتي التي قمت بتبليغكم إياها يتمثل في مودتكم قرابتي.

هذا المعنى يقوم على ركيزتين:
1. وضوح المقصود من الأجر الوارد ذكره في الآية الشريفة (أجر حقيقي).
2. تحديد المراد من القرابة فيها.

أما لفظة المودة التي هي موضوع الآية الشريفة والتي جعلت أجراً على الرسالة، فقد اتفق أهل اللغة على أن المقصود منها عبارة عن الحب والمحبة. عليه سوف يكون مدلول الآية المباركة -كما قلنا- من ظهورها في سؤاله (صلى الله عليه وآله) الأمة أجراً على إبلاغه الرسالة السماوية وقد حدد ذلك الأجر بمودة قرابته.

الأدلة والشواهد الروائية

يشهد لذلك أمران:
الأول: الروايات التي وردت من طرق الفريقين وتضمنت بيان أن المقصود من القربى في الآية المباركة قرابة النبي (صلى الله عليه وآله)، وأن المقصود من مودتهم محبتهم. وقد تعددت النصوص؛ فجمع العلامة الأميني -قدس سره- في موسوعته “الغدير” جملة وافية، والسيد هاشم البحراني في “غاية المرام” نقل 17 حديثاً من طرق السنة و22 حديثاً من طرقنا.

من تلك النصوص ما ورد عن أبي عبد الله (الصادق) عن آبائه (عليهم السلام) أنه قال: لما نزلت هذه الآية على رسول الله (صلى الله عليه وآله) (قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ) قام رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: “أيها الناس إن الله تبارك وتعالى قد فرض لي عليكم فرضاً، فهل أنتم مؤدوه؟” قال: فلم يجبه أحد منهم، فانصرف… (إلى أن قال في اليوم الثالث): “يا أيها الناس، إنه ليس من ذهب ولا فضة ولا مطعم ولا مشرب”. قالوا: فألقه إذن. قال: “إن الله تبارك وتعالى أنزل علي: (قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ)”. فقالوا: أما هذه فنعم.

وما جاء عن ابن عباس قال: لما نزلت (قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا) الآية، قالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين أمرنا الله بمودتهم؟ قال: “علي وفاطمة وولدها”.

الثاني: الاحتجاجات والمحاورات التي وقعت بين الأئمة (عليهم السلام) والآخرين، وكانوا يعمدون فيها إلى بيان أنهم (عليهم السلام) المعنيون بالقربى الذين فرض الله تعالى مودتهم. من أبرز الأمثلة ما جرى بين الإمام زين العابدين (عليه السلام) وبين الرجل الشامي.

شبهة تاريخية حول مكية السورة والرد عليها

اعترض ابن تيمية في كتابه “منهاج السنة” وقرب مدعاه بأن سورة الشورى سورة مكية، وهذا يعني أن علياً (عليه السلام) بعد لم يتزوج بفاطمة (صلوات الله عليها)، وبعد لم يولد الحسن والحسين (عليهما السلام)، فكيف تفسر الآية الكريمة بعترته (صلى الله عليه وآله)؟

الجواب:
نص العلماء على أن جميع آيات سورة الشورى مكية إلا أربع آيات، وأول الآيات الأربع التي عُدت مدنية من آيات سورة الشورى هي الآية محل البحث. إذن ننتهي إلى أن شبهة الرجل وما ذكره لا يمكن الاستناد إليه في إثبات المنع من دلالة الآية القرآنية.

لكن يا سيد عمران، يبقى الإشكالان اللذان افتتحنا بهما المقام على حالهما (التنافي مع آيات نفي الأجر، ومنافاة مقام النبوة)، ولم تتم الإجابة عنهما. وهذا ما أحيله للبحث القادم والحمد لله.

التمرير إلى الأعلى