تتمة الحديث حول آية المودة ودلالتها على الإمامة
كان حديثنا فيما تقدم حول آية المودة، وقد ذكرنا بأن بعض فضلاء العصر وفقه الله تمسك بدلالة الآية القرآنية لإثبات مشروعية الشعائر، وذكرنا بأنه لما لهذه الآية الشريفة من أهمية في البعد العقدي عند الشيعة الإمامية، بل المفروض عند المسلمين قاطبة؛ ينبغي أن يعرض إليها بشيء من التفصيل، ثم يعمد بعد ذلك إلى بيان كيفية تقريب دلالتها على المدعى، ومدى تمامية الاستدلال بها على المطلوب من عدمه.
الإشكاليات المثارة حول دلالة الآية وعلاجها
لذا تعرضنا في البحث الماضي إلى شيء ما من الحديث حول الآية القرآنية، وقد ركزنا على بيان إشكالين في دلالتها:
الإشكال الأول: المنافاة بين الآية القرآنية محل البحث وبين جملة من الآيات المباركة التي دلت على نفي الأجر على النبوة.
الإشكال الثاني: عدم مناسبة ذلك -أعني ثبوت الأجر- لمقام النبي الكريم (صلى الله عليه وآله) ومقام النبوة.
عرضنا فيما مضى علاجين للتغلب على هذين الإشكالين، مضافاً لدعوى نسخ الآية القرآنية محل البحث، وقد عرفت عدم تمامية شيء من ذلك. وذكرنا كذلك تمامية ظهور الآية القرآنية في ثبوت الأجر على النبوة، وأشرنا إلى إشكال ابن تيمية على دلالة الآية القرآنية، وبينا المقصود من القربى في الآية المباركة فيما مضى.
حقيقة الأجر في آية المودة
الآن فعلاً نود أن نعمد إلى الإجابة عن الإشكالين اللذين تمت الإشارة إليهما في البحث الماضي وبيان الجواب عنهما. أما بالنسبة إلى الإشكال الثاني فيمكننا أن نجيب عنه بالتالي: بأن الإشكال المذكور يتأتى ويكون له أثر لو قلنا بأن الأجر الوارد ذكره في الآية الشريفة يعود بالنفع على الأجير وهو رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأنه هو المستفيد من ذلك. أما لو قلنا بأن الغاية من الأجر عوده بالنفع على المستأجر وهو الأمة، فلا يرد الإشكال المذكور.
وتوضيح ذلك: إن الموضوع الذي تضمنته الآية الشريفة هو محبة أهل البيت (عليهم أفضل الصلاة والسلام) ومودتهم، ولا ريب أن هذا متى حصل من الأمة أوجب زيادة الارتباط بينها وبين النبي (صلى الله عليه وآله) وبرسالته. ومن الطبيعي أن زيادة الارتباط هذه تعود بالنفع العميم والكثير على الأمة، فيتحصل أن المقصود من الأجر في المقام هو نفع الأمة، وليس المقصود من الأجر في المقام منفعة الأجير الذي هو رسول الله (صلى الله عليه وآله).
يساعد على ما ذكرنا ويشهد له مواقف النبي (صلى الله عليه وآله) مع جملة من قرابته، وأن النبي (صلى الله عليه وآله) ما كان يحابي أحداً من قرابته أصلاً، بل أكثر من ذلك قد ورد ذم لعمه أبي لهب في سورة قرآنية، فقال عز من قائل: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ)، فهذا يدلل على أن القضية ليست قضية شخصية حتى يقال فيها بهكذا جانب.
دواعي التعبير بلفظ “الأجر” في الآية
يتضح مما تقدم أن كون النفع من الأجر يعود للأمة وليس راجعاً لرسول الله (صلى الله عليه وآله). ومن خلال جوابنا عن الإشكال الثاني يتضح أيضاً الجواب عن الإشكال الأول؛ إذ تبين مما ذكرت أن الموضوع في الآية المباركة لا يختلف عن بقية الآيات الأخرى، بل إن الآية محل البحث تتفق وجميع الآيات السابقة في أنه (صلى الله عليه وآله) لا يطلب الأجر لنفسه، كما أن غيره من الأنبياء لم يطلبوا أجراً على رسالتهم. فعندما قال: (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى)، لأن الأجر يعود إليكم، فكان النبي قال: “أنا لا أسألكم أجراً لنفسي”، وبالتالي سيكون منسجماً والآيات القرآنية الأخرى التي نفت أن يكون للنبي أجر على رسالته.
المبررات البلاغية والاجتماعية لاستخدام لفظ الأجر
وهنا يطرح تساؤل: لماذا عبر القرآن الكريم بكلمة “الأجر”؟ هناك مجموعة إجابات وردت في كلمات أعلام الشيعة، نشير إلى بعضها:
الداعي الأول: إن الموجب لهذا التعبير هو ملاحظة المجعول ذلك لهم، وهم قرابة النبي (صلى الله عليه وآله)، فإن شأنهم ومكانتهم الاجتماعية عند الأمة تستوجب أن يكون التعبير عنه بنحو أدبي لفظي يتناسب وما لهم من منزلة. لذا عبر الباري عز وجل أن هذا أجر يجب عليك أن تعطيه لهؤلاء؛ فحفظ للطرف الثاني كرامته ومكانته ومنزلته، وحافظ على بقاء الإلزام بالنسبة إلى الطرف الأول.
الداعي الثاني: إن مودة أهل البيت (عليهم السلام) تكلف المرتبط بهم والمحب لهم ثمناً باهظاً بلحاظ ما يلاقيه ويقع عليه من آهات وآلام ويتكبد من محن؛ لذلك كان التعبير عن ذلك بالأجر.
البعد الرباني في مودة القربى
التساؤل الثاني: منشأ جعل الله سبحانه وتعالى المودة أجراً؟ إن هذا الموضوع له معطيات تدعو إلى السعي للتعرف عليها، وملاحظة المعنى الأبعد في الآية، والغور في مضامين الآية القرآنية للوصول إلى المقصود منها.
إن الآية القرآنية جاءت تؤكد أموراً أرادت الإشارة إليها من خلال عرض مبدأ مودة أهل البيت (عليهم السلام)، وليست الآية بصدد بيان البعد العاطفي. ومن تلك الأمور:
أولاً: بيان الإمامة وتثبيتها. أول ما يتراءى من الآية القرآنية هو تثبيت مبدأ الإمامة، وهذا يعني أن الآية الشريفة تصلح دليلاً على إثبات إمامة أهل البيت (عليهم السلام) كما ورد ذلك عن العلامة الحلي قدس سره، وتدل على أحقيتهم بالخلافة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله). ودلالتها ليست بالمطابقة اللفظية، وإنما من خلال الدلالة الالتزامية العرفية؛ فالمودة والمحبة عندما تكون من الواجبات كشف ذلك عن وجود منزلة خاصة لمن أوجب الشارع المقدس مودتهم، وأن لهم على الأمة حق القيادة.
ثانياً: الآثار التربوية لمبدأ المودة. هناك جملة من الآثار الخاصة لمبدأ المودة، وأنها لا تنحصر فقط في الإمامة، بل تجسد هذا المبدأ من خلال مراعاة الآثار والجوانب التربوية والثقافية والاجتماعية المترتبة عليه.
نخلص إلى نتيجة مهمة: أن لمبدأ المودة أبعاداً تربوية وثقافية واجتماعية أراد الشارع المقدس إبرازها من خلال هذا النص القرآني، وأن مودة القربى هدف ووسيلة في آن واحد؛ هدف إسلامي رسالي، ووسيلة للوصول إلى الأهداف الإسلامية الكبرى.