بحث دلالة آية الإظهار وعود الضمير في قوله تعالى (ليظهره)
بسم الله الرحمن الرحيم، لا زال كلامنا مستمراً في النوع الثاني من النوعين الذي استند إليهما الفاضل المعاصر دام موفقاً في إثبات شرعية مطلق الشعائر، وهو عبارة عن مجموعة من الآيات والروايات تدل على المطلوب بالدلالة التضمنية والدلالة الالتزامية.
وقد كان حديثنا فعلاً في الآيات القرآنية، وقد ذكر ثلاث آيات أو أربع آيات، كان آخر ما تعرضنا إليه قوله سبحانه وتعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ).
الإظهار التكويني والتشريعي في الآية
وقلنا في الآية القرآنية مجموعة أبحاث، واحد منها: أن الإظهار في الآية القرآنية إظهار تكويني أو أن الإظهار في الآية القرآنية إظهار تشريعي. وقد ذكر وفقه الله أن الإظهار إظهار تشريعي، لكن لو بني على أن الإظهار تكويني لم يكن في ذلك ضير.
من أراد منكم المراجعة يا سيد زكي، الأستاذ الشيخ مكارم أطال الله في عمره الشريف في تفسيره الأمثل، بني على أن الإظهار في الآية القرآنية إظهار تكويني وليس الإظهار إظهاراً تشريعياً.
تقريب دلالة الآية واحتمالات عود الضمير
ما يهمنا في المقام هو تقريب دلالة الآية القرآنية كما أفاد ذلك الفاضل المعاصر، وذلك من خلال أن إظهار الدين يتحقق من خلال عدة طرق وأساليب، وأحد تلك الطرق والأساليب من خلال إظهار شعائره التي تكون موجبة له.
هنا نقطة ينبغي الالتفات لها يا شيخ موسى، أن تمامية الاستدلال بالآية القرآنية قبولاً أو رفضاً يعتمد بصورة أساس على تحديد مرجع الضمير في قوله تعالى (لِيُظْهِرَهُ)، الضمير هنا راجع لمن؟
وبعبارة أوضح: تمامية دلالة الآية القرآنية على المدعى تعتمد على عود الضمير في قوله تعالى (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) على (الدين)، ليكون معنى الآية القرآنية حينئذ هكذا: ليظهر دين محمد (صلى الله عليه وآله) وهو الدين الحق على الدين كله. وبالتالي يأتي جميع ما ذكره الفاضل المعاصر دام موفقاً من دلالة الآية بالدلالة التضمنية والدلالة الالتزامية على المدعى، لأنه سيكون أحد طرق إظهار الدين عبارة عن ملاحظة شعائره التي تكون علامة ودلالة عليه فيثبت المطلوب.
أما لو بني على أن الضمير في قوله تعالى (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) راجعاً للنبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله) وليس راجعاً إلى الدين، ليكون المعنى حينئذ هكذا: ليظهر محمداً (صلى الله عليه وآله) على الدين كله، فسوف تكون الآية القرآنية أجنبية تماماً عن المدعى، لأن إظهار الشعائر لا ربط له بمحمد (صلى الله عليه وآله) من قريب أو بعيد أصلاً.
مناقشة الاحتمالات والمرجحات
وبعبارة أوضح: الضمير في قوله تعالى (لِيُظْهِرَهُ) فيه احتمالان:
- الاحتمال الأول: أن يكون راجعاً إلى الدين.
- الاحتمال الثاني: أن يكون راجعاً إلى النبي محمد (صلى الله عليه وآله).
حتى يتضح المطلب نقرأ الآية القرآنية، تأملوا معي، يقول عز من قائل: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ). (لِيُظْهِرَهُ) راجع للدين، دين الحق، فيكون المعنى: ليظهر دين الحق على الدين كله، أو ليظهر رسوله على الدين كله. خصوصاً وأننا ذكرنا في تقريب دلالة الآية أن (لِيُظْهِرَهُ) بمثابة الغاية، كأن الغاية من إرسال النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله) هو الإظهار. فبالتالي إظهار ماذا؟ إظهار محمد (صلى الله عليه وآله) أو إظهار الدين.
قد يقال بأننا نرجع إلى القاعدة اللغوية والقاعدة النحوية، وقد قرأنا في النحو أن الضمير يرجع إلى الأقرب، والأقرب في المقام هو عبارة عن الدين، وهذا مدعاة إلى البناء على ترجيح الاحتمال الأول ليكون الضمير راجعاً إلى الدين، وعليه يكون الاستدلال بالآية القرآنية تاماً.
المبعدات للاحتمال الأول والمقربات للثاني
قلت: كما أن هناك ما يقرب الاحتمال الأول ومن ثم يدعو للبناء عليه، فإن هناك أيضاً ما يبعد الاحتمال الأول ويوجب رفع اليد عنه. ما هو المبعد يا مولانا؟
المبعد أن عملية إظهار الدين على جميع الأديان الأخرى قد تحقق ذلك في عصر النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله)؛ لأن دين رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان ناسخاً لبقية الأديان السماوية الأخرى، هذا أولاً. ثانياً: منذ أن بعث النبي (صلى الله عليه وآله) كانت شريعته (صلى الله عليه وآله) هي الشريعة المنجزة المجعولة على كافة المكلفين، فليس لأحد أن يتعبد بشريعة أخرى غير شريعة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله).
وهذا كله يساعد على البناء على الاحتمال الثاني، وهو أن يكون الضمير في قوله تعالى (لِيُظْهِرَهُ) راجعاً إلى النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله) وليس راجعاً إلى الدين، فيكون معنى الآية القرآنية: ليظهر محمداً (صلى الله عليه وآله) على كافة الأديان، وهو بذلك يعطي فضيلة وخاصية خاصة لرسول الله (صلى الله عليه وآله) يمتاز من خلالها على بقية الأنبياء والمرسلين عليهم السلام.
علاقة الآية بعصر الظهور والرجعة
يساعد على ما ذكرنا ما تضمنته بعض النصوص من أن الإظهار بعد لم يحصل، وإنما سوف يكون عند ظهور سيدي ولي النعمة روحي لتراب حافر جواده الفداء. إذ لو كان المقصود هو ظهور الدين فلا ريب أن الدين الإسلامي اليوم قد طبق المعمورة وغطى مساحة واسعة منها.
نعم، لو كان المقصود من إظهار الدين الاستيعاب التام والشمول الكامل إلى الأرض، يعني أن لا يكون على منطقة اليابسة من الأرض شيء إلا شريعة النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله) غير الإسلام، فإن هذا فعلاً بعد لم يحصل.
وهل سيحصل أو لن يحصل؟ الإنصاف أن مجموعة من النصوص الموجودة عندنا لا تساعد على تحقق الاستيعاب الشمولي لليابسة بالدين الإسلامي، يعني حتى في عصر سيدي ولي النعمة روحي لتراب حافر جواده الفداء عندنا مجموعة من النصوص تشير إلى طائفتين: الطائفة الأولى النصارى وكيف سيتعامل معهم بأبي وأمي، والطائفة الثانية المناوئون والأعداء.
ألا تعتقدون يا سيد زكي أن سيدي ولي النعمة بأبي هو وأمي سوف يغادر الدنيا شهيداً؟ ولو من باب العموم الفوقاني الموجود عندنا عن الإمام الصادق (عليه السلام): (ما منا إلا مقتول أو شهيد). فإذا كانت هناك عملية اغتيال ستجري لسيدي ولي النعمة معناها أن هناك حزب معارضة، أن هناك مناوئين، أن هناك أعداءً ما كانوا ليرضون بسيدي ولي النعمة، ولذلك اتخذوا هذا الموقف.
فإذا فسرنا الأمر بهكذا روايات وأن المقصود من ذلك هو عصر ظهور سيدي ولي النعمة، فإذاً معناه أن سيدي ولي النعمة بما هو ممثل لمحمد (صلى الله عليه وآله) فالإظهار لمن؟ للنبي (صلى الله عليه وآله).
بل أكثر يا شيخ نصر، في الرواية عن الإمام الباقر (عليه أفضل الصلاة والسلام) فسر ظهور الدين بزمان الرجعة، وهذا أوضح في أن القضية الدولة المحمدية مو الدين، محمد (صلى الله عليه وآله). لأننا نعتقد بأن الذين سيرجعون في عالم الرجعة هم أولياء الله عز وجل على الخلاف في الروايات.
فإذا قبلنا بهذه الرواية التي فسرت إظهار الدين برجعة سيدي ولي النعمة بأبي هو وأمي سيكون الأمر بهذه الكيفية. وهنا نقطة يا شيخ شاكر لابد من الالتفات، ما هو المقصود من الرجعة؟ لأن هناك خلطاً بين الظهور المبارك وبين الرجعة المصطلحة، وهذا قد توجبه بعض الروايات.
إذاً النتيجة، لو كان الضمير في قوله تعالى (لِيُظْهِرَهُ) راجعاً للنبي، فكأن القرآن يقول: ليظهر محمداً (صلى الله عليه وآله) على الدين كله، فيعطي لمحمد (صلى الله عليه وآله) كما هو أهله خصيصة وميزة يمتاز بها حينئذ على البقية. إذا بنينا على هذا الاحتمال سوف تكون الآية القرآنية أجنبية تماماً عن المدعى لعدم توفر ما بني عليه الفاضل المعاصر وفقه الله من دلالة الآية القرآنية ولو من خلال التضمن والالتزام بإحياء الشعائر.