مشروعية الشعائر الدينية في ضوء آية الإظهار
لا زال كلامنا مستمراً في الآيات القرآنية التي استند إليها الفاضل المعاصر (دام موفقاً). وقد ذكرنا يا شيخ أحمد أن الفاضل المعاصر قال بأن الأدلة التي يصلح الاستناد إليها لإثبات مشروعية كل شعيرة شعيرة – بحيث تصلح عاماً فوقياً – على صنفين: الصنف الأول ما يكون دالاً على الحكم المذكور بالدلالة المطابقية، ويتمثل ذلك فيما قدمنا ذكره من الآيات. والصنف الثاني ما تكون دلالته على الحكم بالدلالة التضمنية والدلالة الالتزامية، وقال بأن هذا نوعان: آيات قرانية، وسنة شريفة قولية ولفظية.
الاستدلال بالآية الثالثة: آية الإظهار
فعلاً كان كلامنا في الحديث عن الآيات القرآنية، وقد ذكر (وفقه الله) ثلاث آيات؛ تعرضنا للآية الأولى، وتعرضنا للآية الثانية، وقد كانت النتيجة عدم تمامية دلالة الآيتين على المدعى. فعلاً الكلام في الآية الثالثة من الآيات التي ذكرها، وتصلح الآية يا سيد عمران إلى موضوع لليلة ميلاد سيدي ولي النعمة (بأبي هو وأمي)، كما تصلح يا شيخ موسى أن تكون موضوعاً عاشورائياً في الجمعة الأولى من الموسم، وتصلح يا شيخ أحمد أن تكون حواراً يوم عرفة للحجيج في أجواء عرفة وخلق أجواء ترتبط بسيدي ولي النعمة (روحي لتراب حافر جواده الفداء).
والآية واردة في سورة التوبة، وتقريباً ذات الآية واردة في سورة الصف. كلام جميل جداً يا شيخ نصر إلى الأستاذ الشيخ ناصر مكارم شيرازي في تفسير هذه الآية القرآنية في تفسيره الأمثل، ونافع يا شيخ زكي حتى إلى المنبر إنصافاً. الآية هي قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ).
مضامين الآية ودلالة (الإظهار)
طبعاً من أراد منكم أن يفصل في دلالة الآية القرآنية شرحاً، ففي الآية القرآنية مجموعة مطالب جديرة بالوقوف عندها. المطلب الأول: (الهدى) الذي أرسل به النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)، يقصد به الهداية التكوينية أم الهداية التشريعية؟ وإذا كانت الهداية التشريعية يقصد بها الهداية العامة أو الهداية الخاصة؟ هذا مطلب. (دين الحق) عندما يعبر عن الدين الحق فمعنى ذلك إشارة إلى ناسخية جميع الديانات السماوية السابقة بقول مطلق، فيه تفصيل أو ما شابه.
محل بحثنا المقطع الثالث في الآية القرآنية: (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ). هذا محط البحث الذي ينبغي الوقوف عنده، وهو الذي ركز عليه الفاضل المعاصر (دام موفقاً). ما هو المقصود بإظهار الدين على الدين كله؟ قولان موجودان في المقام – طبعاً من البداية أشير إجمالاً كما أفاد بأن الآية القرآنية ظاهرة في كونها جملة خبرية في مقام الإنشاء، وهي دالة على أن الغاية من إرسال النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله) بالهدى والحجج والبينات والدلائل والبراهين على ما قالوا، وأن دين الحق هو دين الإسلام بما تضمن من مضامين في الأصول والفروع والسنن وما شابه – الغاية من إرسال النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) هو الإظهار (لِيُظْهِرَهُ) على الدين كله، هو الذي أرسل رسوله ليظهره، فهنا بمثابة هذه هي الغاية، إعلاؤه على سائر الأديان.
الاحتمال التكويني والاحتمال التشريعي في الإظهار
الكلام في هذا الإظهار، ففي الإظهار احتمالان:
- الاحتمال الأول: أن يكون الإظهار إظهاراً تكوينياً.
- الاحتمال الثاني: أن يكون الإظهار إظهاراً تشريعياً.
ما هو المقصود بالإظهار التكويني؟ وما هو المقصود بالإظهار التشريعي؟ الإظهار التكويني بمعنى أنه سوف تتحقق الغلبة والانتصار والسيطرة بالجبر والفرض والإلجاء، يعني تحكم غلبة القدرة الإلهية في إظهار الدين ونصرة أهله من دون نظر إلى إرادة المكلفين. فكما نصر الله سبحانه وتعالى أنبياءه (عليهم السلام) وأنقذهم من أعدائهم؛ فأنقذ إبراهيم (عليه السلام) من النار، وأنقذ نوحاً على نبينا وآله وعليه السلام من الغرق، وأنقذ موسى من فرعون، وأنقذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) ليلة الهجرة من المشركين عندما جعل بينه وبينهم سداً فلم يبصروه. هكذا أيضاً سيكون الإظهار.
طبعاً كلام الشيخ مكارم في المقام جداً جداً جميل وغيره. هل تحقق إظهار الدين أو ظهور الدين على الدين كله أم أنه لم يتحقق بعد؟ كلهم يقررون بأن ظهور الدين على الدين كله لم يتحقق بعد، وإنما سيتحقق ذلك على يد سيدي ولي النعمة (روحي لتراب حافر جواده الفداء)، فهو القائد المؤمل والعدل المنتظر الذي سوف يتصدى لتحقيق هذا الغرض والوصول إليه، وهو امتداد لجده رسول الله (صلى الله عليه وآله). إذاً بنينا على الاحتمال الأول فمعنى ذلك أن الدولة المهدوية العادلة المرتقبة والمنتظرة سيكون إقامتها من خلال القدرة الإلهية، اللي تعبروا عنه يا سيد يوسف تدخل العامل الإعجازي في عملية النصرة الميمونة لسيدي ولي النعمة وفي إقامة الدولة المباركة، ستتدخل القدرة الإلهية فسيكون في عملية الانتصار عامل إعجازي. هذا واحد.
الاحتمال الثاني قلنا: لا، المقصود بالإظهار الإظهار التشريعي. ويش مقصودكم منه؟ معنى الإظهار التشريعي أن الله سبحانه وتعالى يظهر دينه ينصره لا بالإعجاز ولا بالتصرف التكويني، وإنما عبر إرادة عبادته وعمل عباده. كما أنه سبحانه وتعالى نصر رسوله (صلى الله عليه وآله) بعلي بن أبي طالب، فعلي آية من آيات محمد، علي معجز من معاجز محمد. كما نصر الله عز وجل رسوله بعلي أمير المؤمنين (علي عليه السلام) وفتح مكة على يديه وجاهد أعداءه، كما جاهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) أعداءه على يد مولانا سيد الشهداء أبي عبد الله (صلى الله عليه وآله)، سيقيم دولة العدل الإلهي على يد سيدي ولي النعمة (عجل الله تعالى فرجه). لكن من هذا الطريق: عبر إرادة عبادته وعملهم، فالقضية قضية تشريعية. ومعنى ذلك يا شيخ نصر أن الدولة المهدوية سيكون انتصارها وإقامتها طبق الظروف الطبيعية الاعتيادية من دون أن يتدخل في ذلك العامل الإعجازي من قريب أو بعيد.
مناقشة الاحتمالات وعلاقتها بالشعائر
ما هو معنى أن الله سبحانه وتعالى يريد أن يظهر دينه على جميع الأديان؟ سواء اخترت يا سيد يوسف الاحتمال الأول أم اخترت يا سيد عمران الاحتمال الثاني، (مداخلة حول القدرة الإلهية وقبض الأرواح)، ألا يقال بأن الله هو الذي قبض الأرواح؟ ألا تقولون بنى الأمير المدينة؟ أنت شايف الأمير ماسك صخين لو ماسك مطرقة؟ (مداخلة حول اليد الإلهية). نعم، نفسه (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) كما يحتمل أن يكون الإظهار بالمعنى التكويني الذي ذكرناه، يحتمل يا شيخ شاكر أن يكون الإظهار بالمعنى التشريعي، بمعنى أن الله سبحانه وتعالى عبر ما جعل وعبر ما كلف على رقاب العباد وفي أعناقهم، سيكون ذلك سبباً وسبيلاً إلى إظهاره. عبرة عبادة فبالتالي عباده يظهروه.
يعني الآن سيدي ولي النعمة (روحي لتراب حافر جواده الفداء) عندما يقيم دولة العدل الإلهي إن شاء الله، ألا يقال هي دولة الله سبحانه وتعالى؟ (مداخلة: ليس في المورد الطبيعي). من وين أنتم تجيبوا أن (لِيُظْهِرَهُ) يقصد به الإظهار التكويني؟ من وين؟ يحتمل الإظهار التكويني بالغلبة والقدرة الإلهية، هذا ما نقدر ننكره، احتمال وارد. يحتمل أنه الإظهار التشريعي على طبق الظروف الطبيعية الاعتيادية. إن وجدت قرينة ترجح الاحتمال الأول أو ترجح الاحتمال الثاني، إن وجدت القرينة فالحالة الطبيعية أن سيرة سيدي ولي النعمة (بأبي هو وأمي) امتداد لسيرة من تقدم من أنبيائه، امتداد لسيرة سيدي ومولاي المصطفى محمد (صلى الله عليه وآله). وسيدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما أظهر الله عز وجل دينه بالقدرة التكوينية، وإنما بالقدرة التشريعية، فهو امتداد لهكذا، فالأصل هو هذا. استعمال البعد التكويني – اللهو العامل الإعجازي الخارق القدرة الإلهية – هذا يحتاج إلى دليل.
(مداخلة: كيف إرادة الله في الأمر التشريعي ليست قابلة للتخلف؟). هذا إشكال دقيق في بحث العدل الإلهي ذكروه، بأنه مقتضى مجموعة من الآيات القرآنية تستدعي أن الله عز وجل عندما جعل التكاليف فالمفروض أنه لا يُعصى، وبالتالي نجد عصياناً. من أجمل ما قرأت في هذا المقام وكلام السيد العلامة الطباطبائي (رضي الله تعالى عنه) في مسألة توجيه تخلف الإرادة التشريعية. أنتم تقولوا في علم الكلام بأن الإرادة لا تتخلف عن المراد عدل لو لا؟ شلون تعالجوا هذا الأمر؟ كلام السيد العلامة (رضي الله تعالى عنه) في الميزان يجيب عن هذا المعنى، وما عندنا مشكلة ليكن تخلف في الإرادة التشريعية، ويش المحذور؟
نتيجة البحث: مشروعية الشعائر كأدوات للإظهار
المهم، سواء اخترتم القول الأول وهو الإظهار التكويني، أم اخترتم القول الثاني وهو الإظهار التشريعي، نحن ما لنا ربط كيف سيكون الانتصار، بأي طريقة سيكون التغلب؟ نحن تمام ما نريد أن نصل إليه أن هذا الإظهار هو الذي ينفعنا في إثبات مشروعية الشعائر. كيف؟
الآية القرآنية جعلت الغاية من بعثة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) ما هو؟ (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ). سؤالنا الذي نطرحه حينئذ: كيف يكون إظهار الدين؟ إظهار الدين بإحيائه وبإبقائه قائماً من خلال الشريعة والأحكام بين الناس. هذه الإرادة الإلهية، هذه المحبوبية الربانية، إذا علم بها المكلف وكان قادراً على تحقيقها في الخارج، وجب عليه عقلاً أن يحققها من خلال ثلاثة أمور:
- الأمر الأول: اتفاق الكلمة على وجوب تحصيل الملاكات المولوية الملزمة إذا علم بها العبد وإن لم يصدر أمر من المولى سبحانه وتعالى. إذ يكفي وجود ملاك الأمر عن ذات الأمر في وجوب الطاعة.
- الأمر الثاني: أن مقتضى مقام العبودية في مقابل مقام الربوبية، أن حكم العقل وسيرة العقلاء متفقان على أن العبد ملزم أن يراعي مطالب المولى متى علم بوجودها.
- الأمر الثالث: قيام الضرورة والإجماع على أن الشرع لا يريد إظهار دينه بالغلبة التكوينية فقط، بل يريد ذلك بالغلبة التشريعية أيضاً.
ولذا شواهد؛ أمر الشارع المقدس الناس بممارسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. والله عز وجل عاجز أن يزعلها كما أصبحت خلال ساعتين؟ سنة ونصف ما استطاعوا أن يفعلوا شيئاً وخلال ساعتين أو أقل جعلها قاعاً صفصفاً قبل أيام، عاجز الله سبحانه وتعالى؟ حاشا. إذاً أمر بالأمر بالمعروف وهو النهي عن المنكر، وهذا شاهد على أنه يريد أن يصل الناس إلى هذا الأمر من خلال البعد التشريعي وليس من خلال البعد التكويني.
النتيجة التي ننتهي لها: أن الشارع المقدس يحب أن يظهر عباده دينه على سائر هذه الأديان. لازم هذا الحب هو وجوب السعي لذلك تحصيلاً للملاك، أو التزاماً بآداب العبودية وأداءً لحقوق المولوية، أو للجزم بأن الشرع لا يرضى إهمال ذلك أو التقصير فيه. فيثبت المطلوب. وعليه، إذا التزمنا بدلالة الآية بالإظهار التشريعي واضح، إذا التزمنا أيضاً بالإظهار التكويني واضح. فيكون مدلول الآية وجوب الإظهار من خلال بعض الضمائم. إظهار الدين قضية عرفية وهي تتحقق من خلال أساليب: إظهار عقيدة الدين على سائر العقائد، تطبيق قوانين الدين وأحكامه، إظهار الالتزام بآدابه وسننه. هذا المجموع من حيث المجموع يتضمن الشعائر الدينية، فيكون من ضمن إظهار الدين إبراز شعائره. فكل ما يكون شعيرة من شعائر الدين مرتبطة بالله عز وجل تكون من إظهار الدين.