الاستدلال بالعمومات القرآنية على الشعائر الحسينية (بحث في آية أيام الله)
مقدمة في أقسام الأدلة القرآنية
لا زال الكلام مستمراً في الحديث حول الأدلة العامة التي يمكن الاستناد إليها في إثبات شرعنة الشعائر الدينية، وبالتحديد الشعائر الحسينية، كي ما تكون شاملة للعناوين المستجدة والمستحدثة؛ وبالتالي لا يلتزم بأن الشعائر الحسينية شعائر توقيفية، فتكون شاملة لكل ما لم يرد فيه دليل شرعي مما يستجد على الساحة ما دام ينطبق عليه عنوان (الشعيرة)، فيندرج كل ذلك تحت هذا العنوان.
وقد قسم (الفاضل المعاصر دام موفقاً) الأدلة التي يمكن الاستناد إليها في إثبات مشروعية الشعائر الدينية -بل الحسينية- إلى قسمين بلحاظ دلالتها:
(القسم الأول: ما يكون دالاً على المطلوب بالدلالة المطابقية).
(القسم الثاني: ما يكون دالاً على المطلوب بالدلالة التضمنية أو الدلالة الالتزامية).
القسم الأول: الدلالة المطابقية (عرض ونقد)
كان حديثنا فيما تقدم حول القسم الأول، وهو عبارة عن ما يدل على المطلوب بالدلالة المطابقية. وقد عرفت منا فيما مضى عدم صلاحية شيء مما أفاد -وفقه الله- للدلالة على المطلوب ببيان سبق. بل أضفنا لذلك في نهاية المطاف أننا لو رفعنا اليد عن منع دلالة الآيات القرآنية على المطلوب، فهل يمكن التمسك بالإطلاق لإثبات شمولها للمسائل المستحدثة أو لا؟ وقد نقلنا مجموعة من الموانع وعرضنا الإجابة عن تلك الموانع في الشمول وعقبنا عليها. وكانت النتيجة التي انتهينا إليها عدم صلاحية شيء من الآيات المذكورة للدلالة على المدعى.
القسم الثاني: الأدلة اللبية والالتزامية
فعلاً الكلام الآن في القسم الثاني من الأدلة التي أفادها الفاضل المعاصر. ويمكن أن يجعل من أدلة القسم الأول أيضاً ما أشار إليه بعض الفضلاء القميين -وفقه الله- من الاستدلال بآية مودّة القربى: (قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ) على أساس صلاحيتها للدلالة على مشروعية الشعائر الحسينية وشمولها لكل مستجد.
القسم الثاني قد قسمه الفاضل المعاصر -دام موفقاً- إلى ثلاثة أصناف:
(الصنف الأول: عبارة عن الأدلة اللفظية).
(الصنف الثاني: عبارة عن الأدلة اللبية).
(الصنف الثالث: عبارة عن ضرورات تعظيم الشعائر).
الاستدلال بالكتاب: آية التذكير بأيام الله
فعلاً الكلام في الصنف الأول، وقد ذكر فيه نوعين من الأدلة: الكتاب الكريم والسنة المباركة. وقد استند إلى السنة المباركة بأقسامها الثلاثة: السنة القولية، والسنة الفعلية، والسنة التقريرية. وسننظر جميع ما ذكر.
فعلاً كلامنا في الدليل الأول أو النوع الأول من الأدلة التي ذكرها -وفقه الله- في المقام، وهو الاستدلال بالكتاب، وهي عبارة عن آيات. استعرض مجموعة من الآيات، فعلاً الكلام في الآية الأولى، وهو التمسك بقوله تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ).
تقريب الاستدلال بالآية القرآنية يقع في مطلبين: المطلب الأول في تمامية المقتضي، والمطلب الثاني في نفي وجود المانع.
المطلب الأول: تمامية المقتضي
أما بالنسبة إلى المطلب الأول وهو تمامية المقتضي، فإن تمامية المقتضي تقوم على مقدمات ثلاث والكلام للفاضل المعاصر:
المقدمة الأولى: نحن نعلم بأن كل الأيام هي أيام الله سبحانه وتعالى من حيث الحدوث والبقاء والنسبة، فلا فرق بين يوم ويوم، فإن جميع الأيام كالأزمان والأماكن والأشياء كلها لله سبحانه وتعالى. إلا أن تخصيص بعضها بالذكر والنسبة يكشف بحكم العقل وبحكم العرف عن أهميتها بما يستدعي التخصيص بالذكر، وإلا كان لغواً.
المقدمة الثانية: إضافة اليوم إلى اسم الجلالة إضافة تشريفية، والغرض منها بيان العظمة والمكانة المعنوية الخاصة. نظير إضافة الكعبة المعظمة إلى الذات الإلهية عندما تقول “بيت الله” مع أن جميع الأماكن متعلقة بالله سبحانه وتعالى، فجعل هذه الإضافة لله سبحانه وتعالى تشير إلى مكانة، إلى عظمة، إلى قدسية، إلى بعد معنوي خاص يختص بهذا المكان.
المقدمة الثالثة: التذكير بهذه الأيام يتضمن حقيقتين:
الحقيقة الأولى: أن في التذكير بهذه الأيام جملة من الفوائد التي تعود على الناس في دينهم وفي دنياهم، تقتضي إبقائها خالدة في الأذهان والنفوس، وإلا لابد وأن يكون التذكير بهذه الأيام لغرض مقصود.
الحقيقة الثانية: إطلاق لفظ الأيام وعدم تحديدها بوصف خاص يدل على أن كل ما يوجب التذكير بالله سبحانه وتعالى من الأيام العظيمة مطلوب، وهذا هو الذي أكدته الروايات. ففي الرواية المروية عن الإمام الباقر عليه السلام يرويها مثنى الحناط قال: (سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: أيام الله يوم القائم، ويوم الكَرّة، ويوم القيامة). لماذا سميت هذه الأيام بأيام الله؟ لأنها أيام يظهر فيها أمر الله سبحانه وتعالى، تتجلى فيها قدرته سبحانه، حكمته، حكمه، عدله.
المطلب الثاني: نفي المانع وجواب الإشكالات
من مجموع هذه المقدمات ننتهي إلى التالي: أن الآية القرآنية قد أمرت بالتذكير بالأيام العظيمة التي تتجلى فيها قدرة الله عز وجل وآياته، وهذا الأمر ظاهر في الوجوب (وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ). والتذكير في مادته وهيئته يدل على الاستمرار والمواصلة في ذلك، وعدم حصر التذكير بيوم خاص أو مكان خاص. أيضاً التذكير بالأيام عرفاً يتم في إحياء مثل هذه الأيام، والتذكير بها عبر الاحتفال الجماعي، عقد الندوات، إقامة المجالس، وما شابه.
فتكون النتيجة أن الآية القرآنية وإن لم تدل على ضرورة تعظيم الشعائر الدينية بالدلالة المطابقية، إلا أنها تدل على ذلك بالدلالة التضمنية؛ فإن مقتضى التذكير بهذه الأيام التي يتخذها الناس منهجاً ومدرسة سيارة يتعلمون منها، يعني تعظيم هذه الأيام.
بقي عندنا المطلب الثاني وهو وجود المانع، ذكر الفاضل المعاصر أن في المقام إشكالين واردين على دلالة الآية:
الإشكال الأول: أن الآية محل البحث موضوعها متعلقة بكليم الله النبي موسى عليه وعلى نبينا وآله وعلى جميع الأنبياء أفضل الصلاة والسلام وبقومه، والأمر موجه إليه: (وَذَكِّرْهُم) يا موسى (بِأَيَّامِ اللَّهِ). وهذا هو الذي يشهد به السياق القرآني، فتكون الآية القرآنية خارجة عن محل البحث.
ويمكن الجواب عن ذلك بعدم حجية السياق القرآني أولاً. وثانياً، بأنه قد ثبت في بحث الاستصحاب في بحث التنبيهات عدم نسخ الشرائع السماوية السابقة إلا ما قام عليه الدليل. وعلى فرض الشك فإن الاستصحاب يثبت البقاء.
الإشكال الثاني: سلمنا بأن الآية القرآنية ليست مختصة بنبي الله موسى وقومه، وأنها تفيد قاعدة كلية تجري على جميع الأمم، إلا أن مادة التذكير تستبطن أن يكون الشيء قد وقع سابقاً وقد غفل عنه الناس، لذلك أمرت الآية بالتذكير به. وهذا يعني أن مفاد الآية القرآنية إنما هو وجوب التذكير بما وقع سابقاً، ولا علاقة لها بالأيام القادمة فضلاً عن تعظيم الشعائر.
أجاب عن ذلك: سلمنا بأن مادة التذكير تستبطن وقوع حدث قد وقع ومضى ونسيه الناس، إلا أن المركوز في أذهان المتشرعة هو عدم اختصاص دلالة الآية القرآنية بما مضى، حيث فهموا منها الإطلاق. وارتكاز المتشرعة حجة في فهم معاني الألفاظ. أما السياق الذي أردتم التمسك به فلا يصلح مانعاً من التعويل على الارتكاز المتشرعي، لأن السياق دلالة ساكتة فلا يقاوم الظهور والارتكاز.
النتيجة: دلالة الآية القرآنية على وجوب تعظيم الشعائر الإلهية كقاعدة عامة تناسب الأجيال والأزمان، والأمر بالأيام العظيمة لا يستلزم حصر الدلالة بها، فإن الأمر بها كان من باب بيان المصداق.