حجية الإطلاقات والعمومات في المسائل المستحدثة
المانع الثاني: الشك في كون المتكلم في مقام البيان
لا زال كلامنا مستمراً في الحديث فيما يتعلق بموانع التمسك بالإطلاقات في المسائل المستحدثة. وقد عرضنا فيما تقدم المانع الأول وجوابه والمناقشة في ذلك، كما عرضنا أيضاً المانع الثاني وهو عدم كون المتكلم في مقام البيان من جميع الجهات.
وقد عرفت أنه قد أجيب عن ذلك بعدم كون المقام من صغريات هذه الكبرى؛ لأن المفروض أن الإطلاقات ليست لها إلا جهة واحدة، وتعددٌ في المصاديق، فكل مصداقٍ يُشَك فيه يندرج تحت الإطلاق، فيصح التمسك بالإطلاق ويثبت المطلوب حينئذٍ.
وعرفت منا أيضاً أن المقام من صغريات كبرى الإشكال؛ إذ ليس البحث حول الشك في كون المتكلم في مقام البيان، بل البحث في أن المتكلم في مقام البيان من جميع الجهات أو لا. ولنقرب ذلك بمثال لاستكمال الحديث من حيث وقفنا.
تطبيق القرائن على الأدلة الشرعية
عندما يقول تعالى: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)، لا يختلف اثنان في أن المتكلم في مقام البيان، وأنه بصدد بيان وجوب الوفاء بالعقد. إلا أن الكلام في أنه في مقام البيان من جميع الجهات، فهو ناظر لنوعية العقد، وناظر لكمية العقد، وناظر للشروط المعتبرة في العقد، وناظر لموانع العقد، وناظر للآثار المترتبة على العقد، أو لا؟ هو في مقام أصل بيان وجوب الوفاء بالعقد من دون ملاحظة لبقية الأمور الأخرى الدخيلة والمعتبرة من حيث الجهات.
وعندما قال تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ)، هل لاحظ شرطية القدرة وعدم العجز؟ لاحظ شرطية العلم وعدم الجهل؟ لاحظ شرطية البلوغ وعدم الصبا؟ أو أنه في مقام بيان أصل جعل وجوب الصوم من دون ملاحظة لبقية الجوانب الأخرى؟
فإذن نحن بحثنا في الحقيقة هنا: عندما قال الشارع المقدس: (ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ)، فهل هو في مقام البيان من جميع الجهات حتى يتسنى لنا التمسك بالإطلاق حينئذٍ وترتيب الأثر، أو أنه ليس في مقام البيان من جميع الجهات حتى يترتب الأثر؟ هنا كان آخر ما تعرضنا إليه.
الأصول العقلائية في مقام البيان
حتى يتضح هذا المطلب، لا بد من ملاحظة الفرق بين الشك في شمول المطلق إلى الأفراد، والشك في شمول المطلق لجهة لم يكن المتكلم في صدد بيانها. وحتى يتضح ذلك نستذكر كبرى يذكرها الأعلام عادة في الأصول.
يقولون: هناك صورتان لبحث مذكور في كلمات الأصوليين:
- الصورة الأولى: أن يكون الشك الحاصل عند السامع في أن المتكلم في مقام البيان أو لا.
- الصورة الثانية: أن يكون السامع جازماً بكون المتكلم في مقام البيان، إلا أنه لا يحرز أنه في مقام البيان من جميع الجهات، وإنما أو أنه في مقام البيان من جهة واحدة.
مناقشة آراء الأعلام (الخوئي والصدر)
أما بالنسبة للصورة الأولى، فانه لا إشكال بين الأعلام في حمل كلام المتكلم على أنه في مقام البيان. نعم، وقع الخلاف بينهم في مستند ذلك:
يرى (السيد الخوئي) رضى الله تعالى عنه أن المستند أو الدليل الداعي للبناء على كون المتكلم في مقام البيان هو التمسك بالأصل؛ لأن الأصل أن كل متكلم يكون في مقام البيان، لا أنه في مقام الإهمال أو التشريع.
بينما يرى (السيد الشهيد الصدر) قدس سره، وله رأي آخر أشار إليه، أنه لا يوجد عندنا مثل هكذا أصل. عندما تقولون بأن الأصل أن يكون المتكلم في مقام البيان، ماذا تقصدون بالأصل؟ أصل شرعي أو أصل عقلائي؟ وإذا قلت أصلاً عقلائياً، ما هو هذا الأصل الذي تريد أن تتمسك به؟ وإذا قلت بأنه أصل شرعي، ما هو هذا الأصل الذي تريد أن تتمسك به؟ هذا أصلٌ لا نجد له عيناً ولا أثراً، ولا نعرف له وجوداً -يقول السيد الشهيد- لا يوجد مثل هكذا أصل عند العقلاء في مقام المحاورات، ولو وُجد مثل هكذا أصل فإنه لا دليل عليه.
إذن، ماذا تقول أيها السيد الشهيد إذا شككنا في أن المتكلم في مقام البيان أو لا؟ قال: هو في مقام البيان. ما هو دليلك على ذلك؟ قال: نتمسك بظهور الحال؛ فإن ظاهر حال كل متكلم أنه بصدد البيان وليس الإهمال ولا التشريع. إذن هما متفقان في أن المتكلم متى ما شُك بُني على كونه في مقام البيان، عمدة ما كان يختلفان في المستند.
دعوى الانصراف وموانع الإطلاق
إنما الكلام في الصورة الثانية، وهي أن يُحرز أن المتكلم في مقام البيان من جهة معينة، ويُشك في كونه في مقام البيان من جهات أخرى. هنا هو محل الكلام، كما بينا قبل قليل في آية (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) أو في آية وجوب الصوم.
ذهب صاحب الكفاية قدس الله نفسه الطاهرة إلى أنه متى ما شككنا في كون المتكلم في مقام البيان من جهة واحدة أو أنه في مقام البيان من جميع الجهات، يُبنى على كون المتكلم في مقام البيان من جميع الجهات، ولا يكون منحصراً في خصوص الجهة التي كان بصدد بيانها.
واستشهد رحمه الله لذلك بالتمسك بالإطلاقات؛ فإن العقلاء يتمسكون بكل إطلاق إطلاق يرد عليهم من دون فحص ولا إحراز أن المتكلم في مقام البيان من جميع الجهات، ولا أن المتكلم في مقام البيان أولاً. تمسك العقلاء بالإطلاق كاشف عن أنهم يرونه في مقام البيان من جميع الجهات.
وسيرة العقلاء منعقدة على أنه متى ما وصل إليهم بيان رتبوا الأثر على كونه بياناً من جميع الجهات، وهذا يكفينا أننا متى ما شككنا في كون المورد من موارد البيان من جميع الجهات أولاً، نبني على أنه في مقام البيان من جميع الجهات.
دعوى الانصراف إلى الأفراد الشائعة
الإشكال الثالث الذي يمنعنا من التمسك بالإطلاقات يمكن تقريبه بأن يقال: لنسلم بأن الإطلاق شامل للعناوين المستجدة والمستحدثة كشموله للعناوين المتعارفة، إلا أنه ينصرف اللفظ عند إطلاقه إلى الأفراد الشائعة والغالبة والموجودة، وينصرف عن الأفراد النادرة.
ويمكننا أن نقرر بأن الأفراد المتعارفة والشائعة هي الأفراد المتداولة دون الأفراد المستجدة، فإنها أفراد نادرة غير غالبة. فعندما يطلق لفظ (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)، ينصرف الذهن إلى العقود المتعارفة وقت النزول، ولا يشمل العقود المستحدثة (كعقود التأمين أو المعاملات الرقمية).
والجواب عن هذا الإشكال: أن هذا الانصراف انصرافٌ ناجمٌ من غلبة الوجود الخارجي، وليس من كثرة الاستعمال. ومن المعلوم أن الانصراف الناجم من غلبة الوجود الخارجي لا يصلح لمنع حجية الظهور، فيبقى الظهور على حاله ويقضي البناء على ثبوت العموم والشمول أو الإطلاق ومن ثم التمسك به.