كبرى كليّة في التمسك بإطلاقات الأدلة للمسائل المستحدثة
مقدمة وتذكير بما سبق
بسم الله الرحمن الرحيم. كان الكلام فيما تقدم في كبرى كلية، بعدما فرغنا من استعراض (الآيات القرآنية) التي استند إليها الفاضل المعاصر دام موفقاً، للدلالة على مشروعية الشعائر الحسينية بقول مطلق، أو الشعائر الدينية، لتكون شاملة لكل عنوان مستجد ومستحدث فيبنى على قبوله. قلنا بأن لدينا كبرى كلية ينبغي الوقوف عندها، وهي سوف تصلح إما لتمامية ما أفاد وفقه الله حال البناء على القبول بتمامية (الآيات)، أو لهدمها لو تمت (الآيات القرآنية) في نفسها.
طرح الإشكال الرئيسي
وهي: هل يمكن التمسك بإطلاقات الأدلة للبناء على مشروعية العناوين المستجدة أو لا يمكن؟ وهذه نقطة نافعة حتى في مستحدثات المسائل غير الشعائر الحسينية. قلنا فيما مضى بأن لدينا مجموعة من الإشكالات التي تمنع من القبول بالتمسك بإطلاقات الأدلة. عرضنا الإشكال الأول وهو ملاحظة حال الواضع حين وضعه لفظاً من الألفاظ.
ثم بعد ذلك أشرنا إلى الجواب عن ذلك -عفواً اشتباه من عندي- قربنا الإشكال فقلنا بأن الواضع حين وضعه لفظاً من الألفاظ يكون ملتفتاً لخصوص المصاديق المتعارفة في عصره وعنده، ولا يكون ملتفتاً للمصاديق الجديدة التي لم تكن متعارفة حال وضعه للفظ. وذكرنا مثالاً تقريبياً لذلك وهو ما يرتبط ببعض العناوين الموجودة، جبنا مثال الأم على سبيل المثال في (آية استثناء الأم) (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ)، قلنا تضمنت (الآية) استثناء الأم من حرمة النظر، بالتالي يأتي الكلام: هل أن ذلك يشمل الأم التي تكون وعاءً فقط للجنين؟ يعني نلقح البويضة من نطفة الأم والأب ثم نزرع الجنين أو النطفة المنعقدة في رحم امرأة أجنبية لتلد؟ هذه المرأة الأجنبية التي كانت وعاءً للبويضة أو للنطفة هل تكون أماً فيشملها الاستثناء أو لا؟ قلنا لا يحرز شمولها لذلك في المقام، وجبنا مثال بالعالم النووي أو ما شابه.
الإشكال الثاني: الفرق بين الإطلاق والعموم ومقدمات الحكمة
هذا الكلام أجيب عنه في البحث الماضي حيث أشرنا إلى أن حقيقة الإطلاق أنها جمع القيود أو رفض القيود ببيان مضى. تعرضنا للإشكال الثاني وهو وجود الفرق بين الإطلاق وبين العموم، وقد عرفنا أن الإطلاق قائم على مقدمات الحكمة، فقدان واحدة منها مانع من ثبوت الإطلاق للفظ. وقد فُقدت واحدة في المقام وهي كون المتكلم في مقام البيان ليكون المفهوم شاملاً لمستحدثات المسائل.
التقريب الأول للإشكال: الذوق الخاص عند المعصومين
قربنا ذلك بتقريبين: التقريب الأول وجود ذوق خاص عند المعصومين (عليهم أفضل الصلاة والسلام) يتمثل في بيانهم المصاديق الاعتيادية والمألوفة للسامعين، ولم يكن معروفاً عنهم العمد إلى بيان ما لم يكن مألوفاً ومعتاداً عليه. قربنا هذا المعنى يا شيخ موسى بالحديث معك عن التالي: بانه ما يرتبط بمسألة الصلاة في الأماكن التي لا تغيب فيها الشمس أو ما يسمى بالدول الإسكندنافية، وذكرنا هناك بأن صلاة الفجر كيف تصلى؟ إذا كانت الشمس لا تغيب من طلوع الشمس إلى طلوع الشمس ستة أشهر نهار، ستة أشهر ليل، خلال ستة الأشهر النهار التي لا تغيب فيها الشمس كيف تكون صلاة الفجر؟ هل تسقط عنهم صلاة الفجر؟ أم لا يكونوا مكلفين من الأساس؟ أم ماذا؟
هذا مما لم يتعرض له الشارع المقدس، لأن النصوص الواردة عندنا إنما تشمل العناوين الاعتيادية المألوفة، وهذا ديدنهم في هذا المقام حتى يترتب الأثر. إلى هنا وقفنا في البحث الماضي.
تطبيق عملي ومناقشة تقريرات السيد الشهيد
فقط شيء للفائدة يا شيخ نصر وأنصحكم نصيحة لوجه الله تعالى: من خيرة من بحث مسألة الظهور وبجانب ضافٍ وافٍ نافع جداً ما حرره يراع السيد الحائري أطال الله في بقاه في تقريره لأستاذه المبدع السيد الشهيد الصدر (رضي الله تعالى عنه). أنصح بمراجعة كتاب مباحث الأصول الجزء الثاني من القسم الثاني من صفحة 249 يا سيد يوسف إلى صفحة 276، كلام راقٍ نافع ومفيد جداً مو بس لبحثنا ولمباحث أخرى مرتبطة بمسألة الظهور، وهي الوسائل التي يتحقق من خلالها الظهور، التبادر، أصالة عدم النقل، الصناعة، وقد لغمه السيد الشهيد ولغمه المقرر أيضاً بتطبيقات جميلة ونافعة يرجى إن شاء الله قراءتها والاستفادة منها.
مناقشة تقريب المسافة الشرعية
على أي حال أعود لأصل المطلب. المستشكل ماذا يقول؟ يقول بأن المتكلم ليس في مقام البيان ولذلك تقريبان. التقريب الأول: ملاحظة الذوق الخاص الصادر من الأئمة الأطهار (عليهم السلام) في مقام البيان. مثلاً يا سيد يوسف وإن كنا سنغايره بعد قليل، عندما قال الإمام (عليه السلام): (إذا قطع المسافة الشرعية وجب عليه التقصير)، ما هي المسافة الشرعية؟ قال: (مسيرة يوم). مسيرة يوم الإمام (عليه السلام) ناظر إلى السيارة؟ ناظر إلى الطائرة؟ أو أن الإمام (عليه السلام) ناظر إلى وسيلة النقل المألوفة والمعروفة في ذلك الزمان والتي تتمثل في -أجلكم الله- الدواب؟ فعندما قال (مسيرة يوم) قال مسيرة يوم بما يكون منسجماً وذلك الزمان، ولذلك قال بعد ذلك (ثمانية فراسخ) وكأن التحديد بثمانية فراسخ تفسير إلى أن الدواب المتعارفة في ذلك الزمان تقطع في مسيرة يوم ثمانية فراسخ. فإذن الإمام عندما كان يتكلم كان يتكلم عن الوسائل المتعارفة والمألوفة، هذا المتصور في المقام.
بناء عليه يصعب والحال هذه البناء على إمكانية التعدي مما هو مألوف ومتعارف إلى غيره. نأتي الآن عندما قال الشعائر الدينية، الشعائر الدينية أيضاً الإمام نظره لما كان مألوفاً ومتعارفاً، ما كان مألوفاً ومتعارفاً في عصر الشارع المقدس التطبير؟ ما كان مألوفاً ومتعارفاً في عصر الشارع المقدس التطيين؟ ما كان مألوفاً ومتعارفاً في عصر الشارع المقدس المشي على الجمر؟ فإذن هذه ليست مصاديق للإطلاق حتى يمكن التمسك بالإطلاق لإثبات مشروعيتها والالتزام بمؤداها. هذا ما يقرره البيان الأول للإشكال.
الجواب عن الإشكال: قرينة خلود الشريعة
هذا البيان أجيب عنه بما يلي: قالوا نحن نسلم بما ذكرتموه، وجود ذوق خاص مستكشف من النصوص يفيد تسليط الأئمة الأطهار (عليهم السلام) الضوء على خصوص المصاديق المعروفة والمألوفة والمعتادة، وأنهم لم يكونوا بصدد بيان الموضوعات الغريبة وغير المألوفة. إلا أن ذلك لا يعني أنهم (عليهم السلام) حصروا البيان في خصوص المصاديق المعروفة دون غيرها، إذ يمكن أن نثبت بيانهم لغيرها من المصاديق كالمصاديق التي لم تكن مألوفة من خلال القرينة الخارجية والتي يتم من خلالها انعقاد الإطلاق.
ما هي القرينة الخارجية يا سيد زكي؟ قالوا خلود الشريعة الإسلامية. ألا تدعون يا سيد يوسف أن شريعة النبي محمد (صلى الله عليه وآله) خالدة ومقتضى خلودها صلوحها لكل زمان ومكان؟ إذن لا بد وأن يكون الواضع أو أن يكون الشارع ناظراً لمستجدات المسائل ومستحدثاتها، فيكون ملتفتاً إلى تلك المصاديق الجديدة التي ستقع كما هو مقتضى القانون بعد، كما هو مقتضى الجعل. فإذن خلود الشريعة الإسلامية يشكل قرينة تستدعي ألا يقتصر المتكلم في البيان على خصوص الموضوعات الاعتيادية، بل يعمد إلى بيان حكم الموضوعات غير المألوفة أيضاً، وهذا يكشف عن وجود المقدمة المطلوبة من مقدمات الحكمة وهي كون المتكلم في مقام البيان وقد حصل البيان للموضوعات غير المألوفة بقرينة خلود الشريعة واستمرارها إلى يوم القيامة. فإذن التطبير مشروع، التطيين مشروع، المشي على الجمر مشروع؛ لأن الشارع المقدس ملتفت لهذه المصاديق بمقتضى أن الشريعة الإسلامية خالدة وبالتالي يثبت الغرض. واضح كلامي؟
مناقشة الجواب والتمييز بين الخلود والشمولية
هذا الجواب يمكن الخدشة فيه، فنقول: نحن نسلم بخلود الشريعة وديمومتها -طبعاً تمام الكلام في نقد القرينة بس، إذا ننقض القرينة انتقض الجواب- نحن نسلم بخلود الشريعة وديمومتها، إلا أننا نقرر أن الخلود والديمومة لا يوجب البناء على بيان جميع مصاديق الأحكام الشرعية، وإنما يكفي لتحقيق قرينة خلود الشريعة أن تكون الأحكام قد بينت للمصاديق المتعارفة والمعتادة.
خل أجيب بمثال. الآن عندما يقول سبحانه وتعالى (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)، طيب نحن أمام احتمالين يا سيد زكي، الاحتمال الأول: أن يكون الشارع المقدس ناظراً لخصوص العقود التي كانت وقت النص، وقت الصدور. الاحتمال الثاني: أن يكون الشارع المقدس ناظراً إلى حتى العناوين المستجدة، عقد الاستصناع، عقد التأمين، وما شابه، عدل لو لا؟ زين انتو تبغوا تقررون أن الشريعة خالدة، لو اقتصرنا فقلنا بأن (الآية القرآنية) ناظرة لخصوص العقود التي كانت موجودة في عصر الشارع المقدس من البيع والإجارة والصلح والدين والقرض وما شابه، هل سيضر ذلك بخلود الشريعة وديمومتها؟
تداخل أحد الطلاب: بعدم تعرضها للمصاديق الجديدة…
ذكر الأستاذ: ما تعرضت للمصاديق الجديدة، إحنا ما عندنا مشكلة، لكن هل عدم إجابتها عن المستجدات من الموضوعات يعني أنها ليست خالدة؟ يعني أنها ليست دائمة؟ يعني أنها ليست مستمرة؟
تداخل السيد يوسف: يعني أنها ليست صالحة لكل زمان ومكان.
ذكر الأستاذ: هذا الآن شيء آخر. فرق بين عنوانين، بين عنوان الخلود والديمومة والاستمرار، وبين عنوان تلبيتها لكافة احتياجات العنصر البشري. ما له علاقة. ما له أي علاقة. ولذلك دي نقطة مهمة لا بد من الالتفات إليها، التفريق. الخلود شيء وتلبيتها لكافة الاحتياجات شيء آخر.
الرد على مداخلات الطلاب حول الشمولية والمنطقة الفراغ
تداخل أحد الطلاب: إثبات لازم خلودها شموليتها.
ذكر الأستاذ: هذا أول الكلام. أن من لوازم الخلود الشمولية. تفضل واحد واحد حتى نطلع بنتيجة يا إخوان.
تداخل الطالب: خلودها لصلاحيتها للتطبيق.
ذكر الأستاذ: يا ابني، صلاحيتها للتطبيق بالجملة لو في الجملة؟
الطالب: نفترض في الجملة.
ذكر الأستاذ: في الجملة يكفينا، هذا لنا. إحنا ذا اللي نبغى نصل إليه في الجملة، هذا يكفينا خلاص، هذا المقدار بنينا على أنها صالحة للتطبيق في كل الأزمنة والعصور في الجملة، هذا يستدعي خلودها. إحنا ذا اللي ندعيه. هل أن الخلود يلازم صلاحيتها للتطبيق بالجملة؟ إذا بالجملة كلامكم في محله، أما في الجملة ما ألازم، ما يحتاج.
تداخل أبو علوي: لا أنا أقول ثمرة الخلود راح يترتب عليه أمر مهم وهو تلبية الاحتياجات.
ذكر الأستاذ: هذا شيء آخر. ولذلك ممكن أن نلتزم بأن رسالة النبي محمد (صلى الله عليه وآله) خالدة لكن نلتزم بعدم الشمولية. خب لا ينكر أحد الأعلام الثلاثة، الطباطبائي والخميني والصدر (رضي الله تعالى عنهم)، قطعاً لا يشكك أحد في التزامهم بأن شريعة النبي خالدة وخاتمة، مع أنهم يلتزمون بعدم الشمولية بالمعنى المشهور، ولذلك قالوا بمنطقة الفراغ التشريعي. بناؤهم على منطقة الفراغ التشريعي ناشئ من التزامهم بعدم تلبية الشريعة لكافة الاحتياجات فاحتجنا إلى هذه المنطقة التي يتصرف فيها ولي الأمر.
تداخل الطالب: لا يعني خلوها من الحكم.
ذكر الأستاذ: خلوها من الحكم بمعنى الحكم المباح خصوصاً على رأي السيد الشهيد.
الطالب: إذا كان الحكم مباح مثلاً أو الحكم مستحب…
ذكر الأستاذ: طبعاً عندي كلام أنا هنا يا ابني، لا عندي كلام أساساً، حتى منطقة الفراغ التشريعي عندهم أوسع من هذا المعنى، أوسع. زين، هذي أنت اللي تتكلم عنها في منطقة الفراغ التشريعي بنقل الحكم من الحكم الترخيصي إلى الحكم الإلزامي كما هو رأي السيد الشهيد في الاقتصاد، أو رأي السيد الإمام أوسع بتغيير الحكم الإلزامي إلى حكم إلزامي آخر، هذا أيضاً شيء آخر. أنا أدعي لا، هما يقرران بأن المقصود أن هناك مناطق فراغ تعمد الشارع المقدس تركها يملأها الفقيه الجامع للشرائط أو الحاكم.
السيد زكي: خالية يا شيخنا؟
ذكر الأستاذ: خالية بأي معنى؟ شو سيدنا، أولاً ده كله مبني على أن الإباحة واحد من الأحكام. وسيرد الإشكال الذي أشار له السيد الشهيد، هل أن الإباحة التفريق بين الاقتضائية واللا اقتضائية، وهل أساساً التفريق الذي أفاده (رضي الله تعالى عنه) تفريق واقعي أم هو مجرد تفريق ثبوتي؟ وإلا الاقتضائية تعود للا اقتضائية ما عندنا شيء إباحة اسمها اقتضائية ولا اقتضائية. واحد. وبالتالي بعض كلمات السيد الإمام وده اللي يساعد كلامي وأصر عليه، بعض كلمات السيد الإمام إحالة موضوع الإباحة إلى الأحكام الوضعية وعدم عدها من الأحكام التكليفية. فإذا بنينا على أن الإباحة من الأحكام الوضعية لا الأحكام التكليفية، تجلى كلامي بأن هناك منطقة فراغ كاملة لا شيء فيها.
حصر الشريعة في الجانب الفقهي وتضييق دائرة المعارف
أعود لما نحن فيه. أولاً ذا الإشكال الأول، بانه لا بد من التفريق بين خلود الشريعة وبين صلاحيتها أو تغطيتها للاحتياجات، فإن خلود الشريعة لا يتوقف على الشمول، يمكن أن تكون الشريعة خالدة موضوعها خصوص الموضوعات المتعارفة، أما المستجدات ذاك أمر آخر ما لنا علاقة فيه ولا ربط له بالخلود. هذا جانب.
ثانياً: وهذا المهم يا سيد عمران، حصر الشريعة في خصوص الجانب الفقهي يُعد تضييقاً لدائرة معارف الإسلام. فإن معارف الإسلام أحد محاورها الفقه، وهناك معارف أخرى فيها صفة الخلود وتتناغم مع كون الشريعة خالدة، وهذه المعارف يمكن أن تحافظ لنا على خلود الشريعة حتى لو كان الفقه لا يشمل المصاديق الجديدة. إلا أن يدعي سيد يوسف: الشريعة يعني الدين -على خلاف للشيخ مكارم- الشريعة يعني الدين، والدين قوامه عناصر ثلاثة يا شيخ موسى: العقيدة والأخلاق والفقه. فبالتالي ما دام الشريعة هي الدين والدين قوامه العناصر الثلاثة، والخلود يعني خلود العناصر الثلاثة، فإشكالنا الثاني ما يرد، أما بناءً على أنه لا، يكفينا تحقق الخلود بأي جانب من الجوانب يكفي.
ثالثاً: هل دخول المصاديق الجديدة تحت العناوين العامة يحل المشكلة؟
ثالثاً: إن دعوى دخول المصاديق الجديدة وغير المألوفة تحت عناوين الأدلة كعنوان (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) مثلاً حتى يدخل تحته عنوان التأمين، إجارة الرحم، وما شابه ذلك، لا يكفي لحل المشكلة. ليش يا سيد زكي التفت؟ لما قلنا من أن هذه الأدلة -إحنا ذكرناه ذا في البحث الماضي في البداية- بأن بعض الأدلة بنفسها ذات قابلية للشمول والسعة جراء وجود إطلاق فيها، فيكون دالاً دلالة مباشرة على شمول المسائل المستحدثة لعدم اختصاص عنوان العقد بالعقود المتعارفة.
طبعاً ده خلافاً للسيد الشهيد في (الآية)، السيد الشهيد يا سيد زكي يصر على أن (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) يقصد به العقود المتعارفة في زمان النص، ويلتزم على أن “ال” التعريف في كلمة العقود عهدية وليست جنسية، فما تدل (الآية) على سعة أيضاً. لكن إنما الكلام وين؟ الكلام أن بعض الموارد لا مجال لتصحيحها. يعني الآن مثلاً نحن نريد أن نصحح صلاة الدول الإسكندنافية أو الدول التي لا تغيب فيها الشمس، وين بتدرجوها دي؟ تحت (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)؟ تحت (أَقِيمُوا الصَّلَاةَ)؟ ما عليه (أَقِيمُوا الصَّلَاةَ) أي صلاة؟
تداخل: ما دام تمسكت بإطلاق…
ذكر الأستاذ: إي وين أقيموا الصلاة لا؟ كما يقولون الحكم ينصب على الموضوع والموضوع مطلق، الصلاة كل صلاة، صبح وظهر وعصر.
ذكر الأستاذ: إي زين حتى صلاة جعفر؟ حتى صلاة الولد لوالديه؟ حتى صلاة الرغائب؟ حتى صلاة التوبة؟ حتى البدعة الجديدة صلاة ركعتين بين الظهر والعصر يوم الجمعة؟ (أَقِيمُوا الصَّلَاةَ) لا؟ انت مو قلت طبيعي الصلاة؟ انت الآن قررت أن المطلوب هو طبيعي الصلاة وبالتالي يكون بانحلاله إلى كل مصاديقه، فكل ما يصدق عليه أنه صلاة يكون مصداقاً له.
تداخل أبو علوي: ناحية موضوع نعم، ناحية متعلق لا، لأن أقيموا أمر والأمر يدل على الوجوب، فالأمور المستحبة خارجة تخصصاً.
ذكر الأستاذ: طيب قبلنا الآن (أَقِيمُوا الصَّلَاةَ) دل على وجوب إقامة الصلاة، كما خصصتها فأخرجت الأفراد المستحبة، احنا سنخصص ليس المطلوب… يعني الآن (أَقِيمُوا الصَّلَاةَ) أنا الآن بقعد الصبح وباصلي الفرائض الخمس الواجبة مرة وحدة، ينطبق أقمت الصلاة لو لا ينطبق؟ آها، أنت بعدين بتبتدي تخصصها بالشروط التي اعتبرت من ضمنها دخول الوقت. أنا الآن في الدول الإسكندنافية أو في البلد التي لا تغيب فيه الشمس منتفي عندي شرط دخول الوقت، انت مو تقول دخول الوقت طلوع الفجر الصادق؟ أنا ذا مبقق عيوني في الشمس مو راضية تغيب حتى يطلع الفجر الصادق! ما غابت الشمس، أو أنا مبقق عيوني ما انتفى الليل حتى يطلع الفجر الصادق. إذن شرط من الشروط المعتبرة بعدُ لم يتحقق، لا يكون الحكم فعلياً. التكليف لا يكون منجزاً.
هذا من الموارد التي أريد أن أشير إليها. قلت بأن بعض الموارد يمكن أن تندرج تحت بعض الإطلاقات والعمومات، لكن عندنا بعض المصاديق الجديدة لا تقبل الاندراج تحت عنوان من العناوين الشرعية، ومن ضمن ذلك ما نحن فيه. أول الكلام أن التطبير شعيرة، أول الكلام أن التطيين شعيرة، أول الكلام أن المشي على الجمر شعيرة. إحنا مسلمين عنوان الشعائر عنوان عام يندرج تحته كل ما ينطبق، لكن ذا أول أثبت أنه هذا العنوان حتى يمكن الاندراج، وإلا فلا. فإذن ده الإشكال الثاني الذي يمنع من الاستناد لهذا الجواب.
خاتمة البيان الثاني
إنجي للبيان الثاني. من الواضح أن مقدار البيان الصادر من المتكلم يكون منحصراً في خصوص الجهة التي سُلِّط البيان عليها. فلو كان للكلام جوانب متعددة واقتصر المتكلم في بيانه على جانب واحد منها، كان البيان منحصراً في هذه الجهة فقط دون غيرها، وهذا يمنع من ثبوت إطلاق وانعقاده للجوانب الأخرى التي لم يلحظها حال البيان. هذا بنفسه ما يدعى في شأن الإطلاقات وشمولها لمستحدثات المسائل، ذلك أن الموضوعات والعناوين غير المتعارفة لا يحرز أن المتكلم كان حين بيانه ناظراً إليها، ما يمنع من ثبوتها في كلامه، فيكون المسلط عليه البيان هو خصوص ما كان متعارفاً، وهو الذي ينعقد إليه الإطلاق دون البقية.
أرجع لآية (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ). (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) أليست في مقام البيان؟ البيان المفروض له جوانب متعددة، فهو بصدد بيان العقود من حيث الجوانب الشرعية والكيفية والكمية ووو إلى آخره، هو سلط الضوء على جانب واحد ولم يتعرض للبقية، يعني ما قال مثلاً ليس للإنسان أن يوقع أكثر من عقد في وقت واحد، ما قال مثلاً بانه أن لا تزيد قيمة العقد عن كذا، دي كلها جوانب يفترض تلحظ في مقام البيان، هو لم يتعرض لها، هو تعرض إلى أن كل عقد وقع لا بد من الوفاء به، ولم يتعرض لبقية الجوانب الأخرى الدخيلة في العقد. عليه سيكون البيان ثابتاً في أي جانب؟ في الجانب الذي أراده، في الجانب الذي قصده، أما بقية الجوانب الأخرى ولم يقصدها لم يردها وهكذا. واضح كلامي؟
ده احنا اللي نريد ندعيه الآن في المقام. نريد أن نقول صحيح الشارع المقدس في مقام البيان لكنه في مقام بيان من جهة واحدة وليس في مقام البيان من جهات متعددة. مع عدم كون الشارع في مقام البيان من جهات متعددة يتضح أن البيان في خصوص هذا الأمر، وهذا الجانب هو جانب الأمور المتعارفة دون الأمور غير المتعارفة، فلا يمكن التمسك بالإطلاقات.
أجابوا عن هذا الإشكال بالتالي: قالوا بأنكم خلطتم بين مطلبين والمقام ليس من موارده. كيف؟ انتو كنتو بصدد الحديث عن الشيء الذي يكون له جوانب متعددة والشارع المقدس بين جانباً وترك البقية، ومقامنا ليس هكذا، لأن مقامنا ليس له جوانب متعددة، وإنما مقامنا له جانب واحد تحته مصاديق متعددة. أرجع لمثال (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)، مرة نقول الكلام عن أصل العقد بما هو عقد، الكلام عن كمية العقود، الكلام عن المبالغ الحاصلة من خلال العقود، دي جوانب، ومرة لا، العقد ومصاديقه: بيع، إجارة، صلح، هبة، قرض، استصناع، يقولون كلامكم يتم لو كنا في الأول، أن الحديث عن شيء له جوانب متعددة وسلط الشارع البيان على واحد دون البقية لا يمكن التمسك بالإطلاق، أما إذا كان الشيء جانب واحد له مصاديق متعددة وقد وقع البيان على هذا الجانب وشككنا في أن مصداقاً من مصاديقه مندرج تحت البيان أو ليس مندرجاً؟ هذا مقتضى التمسك بالإطلاق. وهذا ما يدعونه، فهم يقولون بأن المقام من هذا القبيل. أقرب بمثال، اليوم أنا عاجبني ده المثال المرة الثالثة أجيبه، الآن الوارد عندنا (من قطع مسافة شرعية مسيرة يوم قصر) صح لو مو صح؟ هذا هو الذي صدر من الشارع المقدس. هذا بيان أن من يسير مسافة يوم يقصر. السؤال الذي يطرح الآن، مسيرة يوم اعتبر فيه الشارع المقدس شيئاً أو اعتبر مسيرة اليوم؟ هذا له مصاديق، قد يقطع المسافة مسيرة يوم بالدواب المتعارفة، قد يقطعه بالوسائل الحديثة السيارة أو الطائرة مثلاً، الحين الكلام في المصاديق، إذا شككنا أن المسافر لو قطع مسيرة يوم بواسطة وسيلة من الوسائل الحديثة يقصر أو لا يقصر؟ نتمسك بالإطلاق لو لا؟ نتمسك بالإطلاق، لأن المتكلم في مقام البيان وقال المصاديق أنا مالي علاقة فيها، جهة واحدة، (من سافر مسيرة يوم قصر) بأي وسيلة كان دي مصاديق، يقولون مقامنا من هذا القبيل. إطلاقات الأدلة بيان من جهة واحدة له مصاديق متعددة، متى ما شككنا في دخول هذا المصداق من عدمه تمسكنا بالإطلاق كاملاً حتى يترتب الأثر. هذا ما يمكن أن يذكر في المقام.