تفسير قوله تعالى: (ذلك ومن يعظم شعائر الله) – البحث اللغوي
بسم الله الرحمن الرحيم، كان الكلام فيما تقدم في بيان كيفية دلالة قوله تعالى: (ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب) على وجوب تعظيم الشعائر الإلهية. وقلنا بأن تمامية دلالة الآية القرآنية على المطلوب تعتمد على تحديد ثلاث مفردات فيها: مفردة الشعائر، ومفردة التعظيم، ومفردة تقوى القلوب.
فاتني أن أذكر أمرًا فيما مضى، وهي قضية فنية وليست قضية علمية؛ سيكون عرضنا للآية القرآنية بلحاظين:
اللحاظ الأول: مدلول الآية اللغوي.
واللحاظ الثاني: مدلول الآية الشرعي.
المدلول اللغوي سوف يعتمد على بيان المقصود من المفردات الثلاث التي ذكرت: شعائر، تعظيم، تقوى القلوب. أما مدلول الآية الشرعي، فكيف نقرب دلالة الآية القرآنية على وجوب تعظيم الشعائر؟ فإننا إذا حددنا المقصود من مفردة الشعائر، وحددنا المقصود من التعظيم، وحددنا المقصود من تقوى القلوب، لن يكون هذا التحديد موجبًا للبناء على وجوب تعظيم الشعائر، بل أقصى ما سينفعنا في المقام هو بيان المقصود من دلالة الآية القرآنية، أما استفادة الوجوب وعدمه لابد من ملاحظة المدلول الشرعي.
المبحث الأول: المدلول اللغوي للآية
أولاً: مفردة (الشعائر) وحقيقة الوضع اللغوي
كنا بالتحديد في المفردة الأولى أعني مفردة الشعائر، وقد عرفت منا فيما مضى أن المقصود من الشعائر ما هو، وبينا بأن هذا يستفاد من خلال ملاحظة استعمالات لفظة الشعائر في كلمات أهل اللغة، وأشرنا لمعانٍ خمسة.
أقول: الظاهر أن المعاني المذكورة ليست تفسيرات لمفردة الشعائر حتى يتصور وجود تعدد المعاني والمحتملات لها، بل جميعها ترجع إلى معنى واحد جامع بينها، ويكون الباقي مجرد مصاديق للفظ ومظاهر له؛ لأن المعاني العديدة المشتركة في مادة واحدة ترجع إلى معنى واحد مشترك بينها.
قد يقول أحدكم: كيف تفسرون الاختلاف الحاصل بين المعاني؟ فإنه يوجد فرق بين المعنى الأول وبين المعنى الثاني، وهناك فرق بين المعنى الثالث والمعنى الرابع… فكيف تفسرون هذا الاختلاف الحاصل بين المعاني الخمسة المذكورة المتقدمة؟
أقول: الاختلاف الحاصل بين المعاني المذكورة إنما يرجع إلى اختلاف الحيثيات أو اللحاظ؛ إذ يدور الأمر بين أن يكون اللفظ موضوعًا على نحو الاشتراك اللفظي، أو يكون اللفظ موضوعًا على نحو الاشتراك المعنوي.
أما (الاشتراك اللفظي) فيقصد منه اللفظ الذي يكون موضوعًا لمعنيين أو يكون موضوعًا لمعانٍ متعددة، مثل لفظة (العين) مثلًا؛ لفظة العين موضوعة للعين الباصرة، وموضوعة للعين الجارية، وموضوعة لعين الذهب، وموضوعة لعين الركبة وهكذا. ومثل ذلك دعي في كلمة (مولى) في قوله (صلى الله عليه وآله): (من كنت مولاه فهذا علي مولاه)، فإن بعضهم ادعى أن لفظة مولى من المشترك اللفظي لأنها موضوعة لأكثر من معنى.
أو أن يكون المقام مقام (اشتراك معنوي)، ونقصد بالاشتراك المعنوي أن يكون اللفظ موضوعًا لمعنى كلي، كالإنسان الذي يكون موضوعًا للحيوان الناطق. ومن هنا أيضًا احتمل بعضهم أن مفردة (مولى) والمعاني المشتركة فيها إنما هو من باب الاشتراك المعنوي دون الاشتراك اللفظي. طبعًا لو بني على أن المورد فيه اشتراك لفظي، ما لم تكن هناك قرينة معينة ومحددة للمعنى المراد، سيكون المقام من صغريات الإجمال، وبالتالي سيكون ذلك مانعًا من الاستناد إلى الدليل في مقام ترتيب الأثر.
من هنا نقول بأن التفسيرات المذكورة لمفردة الشعائر ليست معاني متعددة حتى يقال بأن المورد من صغريات تعدد المعاني، وإنما هو اختلاف الحيثيات أو اللحاظ. هذا يجرنا إلى ضرورة توفير معنى جامع متصور للشعائر يجمع بين المعاني الخمسة المتقدمة ويجعلها تفيد معنى واحدًا.
لذلك نقول: المعنى الجامع المتصور للشعائر هو: (كل ما يشعر بالشيء). ولا يصح إطلاق الشعيرة على العلامة إلا إذا أريد منها العلامة الخاصة، يعني التي تشعر بالمقصود، وتكون دالة عليه. وهذا هو المتبادر منها عرفًا؛ إذ لا يصدق على العلامة أنها شعيرة إلا إذا كانت مشعرة ودالة على معنى خاص، وتكون ناشئة من الإحساس والشعور. كما أن إطلاقها على ما تحت الدثار ناشئ من شعور الإنسان بها، أو لأنها تسبب شعور الإنسان بالحرارة والنعومة وما شابه ذلك.
أيضًا إطلاق الشعار على خواص الإنسان أو القائد والزعيم؛ لأنهم الأكثر شعورًا به كما أنه الأكثر شعورًا بهم بسبب كثرة المخالطة. ووجه إطلاق الشعار على كل ما ندب إليه الشرع وأمر بالقيام به هو أنه يشعر بالإيمان والطاعة.
إذن يتحصل مما تقدم ما عرفنا في بيان حقيقة الشعائر من أنها جمع شعار وشعيرة، وأن المقصود منها كل ما يشعر، ويكون تحديده بحسب الإضافة كما بينا فيما مضى.
هنا لابد من الالتفات لنقطة يا سيد يوسف وهي: ما ذكرناه من بيان لحقيقة الشعيرة الوارد ذكرها في الآية القرآنية هو معناها بحسب اللغة. طيب ألا ينبغي أن نتعرض إلى معناها بحسب الاصطلاح عند الشرع الشريف؟
أقول: الظاهر أن هذا المعنى اللغوي هو المتعين في مدلول الآية الشريفة؛ ذلك أن كل مفهوم ورد في لسان الشرع المقدس ولم يعمد الشارع المقدس لبيان المقصود منه، يكون بيانه وتحديد المقصود منه بيد العرف، لأنه يشير إلى عدم وجود حقيقة شرعية ولا متشرعية لهذا المفهوم في المقام. وما ذكرناه هو المتعين، فإن الشارع المقدس لم يتعرض من قريب أو بعيد في كلماته إلى ما يشير لبيان حقيقة الشعائر والشعار والشعيرة، وما دام الأمر كذلك يكون المقام من صغريات الرجوع للمعنى العرفي.
ثانيًا: مفردة (تعظيم الشعائر)
المفردة الثانية في الآية القرآنية: (تعظيم شعائر الله). ما هو المقصود منها؟
الظاهر أن المقصود من التعظيم في الآية للشعائر يكون من خلال تكثيرها وتفخيمها كمًا وكيفًا، كما ورد ذلك في كلمات اللغويين. راجع مثلًا ما جاء في معجم مقاييس اللغة في مادة (عظم)، قال: عظم الشيء أي فخمه وكبره. وفي مفردات الراغب قال: يطلق على كل كبير محسوسًا كان أو معقولًا، عينًا كان أو معنى.
ومن الأول وهو الذي يطلق على الكبير المحسوس قوله تعالى: (وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم) فإن العرش هنا محسوس أم لا؟ محسوس. ومن الثاني، يعني ما يطلق على الأمر المعقول قوله تعالى: (إن كيدكن عظيم).
إذن دي نقطة أساس اتضح من خلالها أن المقصود من التعظيم يعني التكثير والتفخيم. هذا يجرنا إلى نقطة مهمة: التكثير والتفخيم يفترض أن له مراتب، فهنا يأتي السؤال يا شيخ عاطف: هل أن التعظيم مفهوم مشكك أو أن التعظيم مفهوم متواطئ؟
الظاهر والله تعالى أعلم أن مفهوم التعظيم من المفاهيم المشككة له مراتب، أبرز مراتبه ثلاث:
- المرتبة الأولى: التعظيم القلبي، باستشعار مكانة الشعيرة والإقرار بقدسيتها واحترامها.
- المرتبة الثانية: عدم إظهار ما يوجب هتكها أو الانتقاص منها.
- المرتبة الثالثة: إظهار التعظيم على الجوارح، كالحضور عند الكعبة، عند مراقد الشهداء، الآن في الزيارة الأربعينية عند قبر المولى أبي عبد الله الحسين (عليه أفضل الصلاة والسلام)، أو القيام للعلماء والمؤمنين، والمشاركة في مواكب العزاء لسيد الشهداء (صلوات الله عليه) وأمثال ذلك، فإن هذا كله إظهار التعظيم على الجوارح.
طبعًا تختلف المراتب الثلاث؛ فإن المرتبة الأولى منها لا يتعلق بها التكليف، لماذا؟ لأنها حالة شعورية، ومن المعلوم أن التكليف إنما يتعلق بالعمل فعلًا أو تركًا. اللهم إلا أن يدعي أحدكم أنها من شؤون أصول الدين لا من فروعه، فعندها يمكن أن يتعلق التكليف بها لأن موضوع الأصول عقد القلب والالتزام النفسي.
وهذا بخلاف المرتبة الثانية، فإنها واجبة عينًا على جميع المكلفين، فإن العلماء متفقون على حرمة الهتك مثلًا. وأما المرتبة الثالثة فإنها تختلف حسب الشعيرة.
بعض الشعائر موضوعها الإظهار والإشهار كما في إظهار الحزن على الإمام الحسين (عليه السلام)، لبس السواد فإنه أمارة من أمارات إظهار الحزن، أو البكاء في المجالس أمارة من أمارات إظهار الحزن، أو الندبة والصراخ في المجلس أيضًا أمارة من أمارات إظهار الحزن. كذلك زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) فإن ذات الزيارة إظهار. بينما بعض الشعائر يتحقق تعظيمها بعدم هتكها، يكفي عدم الهتك ولا نحتاج إلى الإظهار.
ثالثًا: مفردة (تقوى القلوب)
المفردة الثالثة والأخيرة في مدلول الآية القرآنية لغة وهو عبارة عن (تقوى القلوب) وتحديد المقصود منه. تحديد المقصود بـ (تقوى القلوب) يعتمد بصورة أساس على تحديد معنى كلمة (من) الواردة في الآية المباركة: (ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب).
ما هو المقصود من كلمة (من) في قوله (من تقوى القلوب)؟ عندنا احتمالان يا سيد يوسف:
- الاحتمال الأول: أن تكون كلمة (من) في الآية نشوية، وتكون الجملة من باب إضافة الصفة إلى الموصوف، فيكون المعنى عندها هكذا: (أن الذي يعظم شعائر الله هو القلب المتقي).
- الاحتمال الثاني: أن تكون (من) في الآية ابتدائية، فتدل على ابتداء الغاية، ويكون المعنى أن تعظيم الشعائر يبتدئ من تقوى القلب وليس من الجوارح.
أقول: الظاهر أن المعنى الثاني -وهو أن تكون (من) في الآية ابتدائية- أوفق بمعنى الشعائر؛ لأن التعظيم للشيء له صورتان:
الصورة الأولى: أن يكون التعظيم تعظيمًا حقيقيًا واقعيًا، وهذا لا يكون إلا إذا استشعر المعظم عظمة ذلك الشيء فكبره وفخمه، وهذه صفة تبتدئ من القلب وتنعكس على الجوارح.
الصورة الثانية: أن يكون التعظيم تعظيمًا صوريًا كاذبًا، كما يفعل العبيد لأسيادهم أو بعض المتزلفين لأصحاب النفوذ والقدرة، هذا التعظيم لا يتجاوز الجوارح. لما كان هذا التعظيم لا يتجاوز الجوارح فإنه لا يعد تعظيمًا حقيقيًا بل هو صورة التعظيم ليس إلا.
النتائج المترتبة
من خلال ما تقدم ننتهي لمجموعة من النتائج المهمة التي ينبغي الالتفات إليها:
- النتيجة الأولى: أن التعظيم وإن كان محله القلب أولًا، إلا أنه لا يصدق إلا إذا انعكس على الأفعال الخارجية. مجرد الشعور بعظمة العالم ومكانته مثلًا من دون أن يظهر له الاحترام والتقدير لا يعد تعظيمًا عرفًا له، بل إن مناسبة الحكم والموضوع تستدعي ألا يتحقق التعظيم إلا بظهوره على الجوارح لما بينا في بيان حقيقة الشعائر أنها ما تشعر بالشيء، وهذا ما لا يمكن من دون ظهور في العمل.
- النتيجة الثانية: أن تعظيم شعائر الله تعالى من مختصات المؤمنين؛ لأنك قد عرفت منا أن تعظيم شعائر الله لا يكون من خلال الجوارح فقط بل لابد وأن يكون هناك تعظيم من القلب أيضًا، ومن الواضح أن هذا لا يكون من المنافقين، وإنما يكون من خصوص المؤمنين ولذا قلنا بالاختصاص بهم.
- النتيجة الثالثة: أن التعظيم للشعائر من الأفعال القصدية والتي تتلون حسب القصد والنية، فيتميز الإخلاص فيها عن الرياء؛ لأن الرياء مجرد تعظيم جارحي وليس تعظيمًا جانحيًا، فهو يلحق بالنفاق ولذا وصفته الأدلة بالشرك الخفي.
- النتيجة الرابعة: قد عرفنا أن التعظيم قد يكون بالكم ويكون بالكيف أيضًا، وهذا يعني أن المطلوب في تعظيم الشعائر ليس العامل الكمي فقط بعملية الزيادة الكمية والكيفية للشعائر، فلا يكتفى بالميسور منها، بل لابد من وجود الأمر الكيفي أيضًا.
هذا ما يرتبط بالمدلول اللغوي للآية القرآنية وفق مفرداتها. الكلام الآن في دلالة الآية القرآنية على المدعى والذي هو وجوب تعظيم الشعائر من الناحية الشرعية، أحيل ذلك للبحث القادم إن شاء الله والحمد لله.