مقدمة في حكم إزالة النجاسة قبل الغسل
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله وسلم على سيدنا ونبينا وشفيع ذنوبنا وطبيب نفوسنا أبي القاسم محمد، وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين الهداة المهديين، واللعنة الدائمة المؤبدة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.
كان الكلام في أنه هل يجب إزالة النجاسة قبل الشروع في الغسل أو لا يجب. ما ذُكر من وجوه كلها قابلة للمناقشة. وذكرنا أن النصوص الآمرة بتنقية ما يحتمل فيه عروض النجاسة كالفرج، ممكن أن يكون من باب التسهيل، لا أنه كشرط في صحة الغسل. وهكذا تُنزّل كلمات الفقهاء.
أدلة عدم اشتراط إزالة النجاسة قبل الشروع في الغسل
يؤيد ذلك أن جملة من هذه النصوص الواردة في باب تغسيل الميت خالية عن ذلك، مع أنه لا يبعد أنها في مقام البيان. فلو كان إزالة النجاسة قبل الشروع في الأغسال شرطًا في صحة الغسل، لوجب التنبيه عليه؛ لأن هذا يحتاج إلى بيان تعبدي. فخلو هذه النصوص وجملتها من بيان هذا الأمر دليل على عدم شرطية زوال النجاسة، أي عدم لزوم إزالة النجاسة قبل الشروع في الغسل كشرط في صحة الغسل.
بل يمكن أن نضيف إلى ذلك شيئًا، وهو أنه لو سلمنا أن هذه الروايات كلها ظاهرة في لزوم إزالة النجاسة قبل الشروع في الغسل، فهذه موردها الماء غير المعتصم الذي ينفعل بسبب الملاقاة. أما لو كان التغسيل بماء له مادة أو مثلًا ماء معتصم، فلا يمكن أن نلغي خصوصية هذا المورد، إذ المتعارف إنما الغسل بالماء القليل الذي ينفعل بمجرد ملاقاة النجاسة. أما لو غُسّل بالماء الكثير، مثل على رأي السيد الخوئي وغيره من الأعلام الذين يرون مثلًا هذا الماء الذي الآن في الحنفيات، ولو لم يكن كرًا أو غير ذلك، إلا أنه الماء الكثير معتصم، فحينئذٍ أو مثلًا غُسّل في النهر الذي له مادة أو غُسّل في البحر، حينئذٍ لا يمكن القول بأنه لابد في صحة الغسل من الشروع في إزالة النجاسة. مورد تلك النصوص الماء القليل الذي ينفعل بملاقاة النجاسة، ولا يمكن أن نلغي خصوصية هذا المورد ونتعدى إلى مثل ما لو غُسّل بالماء الكثير على رأي جملة من الأعلام، فإن هذا الماء الكثير معتصم أيضًا لا ينجس بمجرد الملاقاة.
والنتيجة، لا دليل على لزوم إزالة النجاسة كشرط في صحة الغسل قبل الشروع في الغسل، لا يوجد دليل على ذلك.
حالة وجوب الإزالة عند استخدام الماء القليل
نعم، لو فُرض أن الماء غير معتصم ومن خلال صبه على بدن الميت مع وجود النجاسات على بدنه سينجس، من الواضح هنا لابد من إزالتها قبل التغسيل. لماذا؟ لأن الآن هذا ماء قليل وسوف يلاقي النجاسة فينفعل، مع أنه المشترط في الماء المستعمل لرفع الحدث أن يكون طاهرًا. فلذلك نقول بأنه يجب لو كان الماء قليلًا لابد من إزالة النجاسة، لكن ليس قبل الشروع في الغسل، إنما قبل الشروع في العضو الذي عليه النجاسة لابد من إزالتها ثم يُغسل حتى لا يلزم تنجس الماء بنجاسة خارجة عن بدن الميت.
مناقشة نجاسة بدن الميت الذاتية
ولا يقال إنه بدن الميت هو كله نجس مثل الميتة. هذا الإنسان الذي يتكبر ويطغى وإلى آخره، آخره هكذا يعني، “إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ”. هذا يصير حاله حال الفأر وحال سائر الحيوانات التي تنجس بالموت. هذا بدن نجس، فإذا لاقى الماء، الماء أيضًا ماذا؟ ينجس. فلماذا لا نقول بأنه هذا معفو عنه، يعني انفعال الماء بملاقاة النجاسة معفو عنه لأن بدن الميت لا ينفك عن النجاسة، فلا محالة أن هذا الماء سوف ينجس. نقول لا ملازمة بين الأمرين، ما في ملازمة. افترض أن الماء المستعمل في تغسيله لرفع الحدث هو نجس إلى أن تتم أغساله، إذا تمت أغساله الثلاثة كاملة صحيحة طهر بدنه، لكن ما في ملازمة بين عدم العفو عن تنجس الماء بملاقاته ببدن الميت وأنه يُعفى عن تنجس الماء بسبب النجاسة العارضة. هذه أحكام تعبدية يمكن التفكيك بينها. نقول هذا الماء وإن تنجس بملاقاة بدن الميت مع أنه مستعمل لرفع الحدث، لكن معفو عن هذا. ولكن لا يُعفى عن ملاقاته للنجاسة الطارئة على بدن الميت، سواء كانت النجاسة منه كخروج البول والغائط والمني، أو كانت نجاسة واقعة عليه. النتيجة هي ليست جزءًا من بدنه، فهذا الماء الذي يلاقي هذه النجاسة إذا كان غير معتصم وقليل ينجس، فلابد من تطهير العضو قبل الشروع في غسله لئلا يلزم تنجس الماء المستعمل في تطهيره ورفع الحدث. ويمكن التفكيك بين هذين الأمرين باعتبار أنها مبنية على تعبد وتبعًا للدليل، ولا ملازمة بينها.
مناقشة بعض الآراء الفقهية
وأغرب ما في كلام البعض من أنه من المحتمل لأجل هذه النكتة، يعني قال بأن بدن الميت هو نجس كما حكاه في الحدائق، بدن الميت نجس فلا محالة أن الماء المستعمل قبل تمام الأغسال سوف يتنجس. فإذا سلمنا بظهور الروايات في لزوم إزالة النجاسة قبل الشروع في الغسل أو قبل الشروع في غسل العضو على الأقل، هذا من باب رفع الاستقذار، لأن هذا الماء الآن إذا لاقى الغائط أو لاقى البول أو لاقى المني فيصير مستقذرًا. فالأمر بتطهير الموضع قبل الشروع في غسله ليس من باب اعتبار طهارة العضو في صحة الغسل وأنه لابد من الشروع في إزالة النجاسة قبل الشروع في الغسل من جهة أنه شرط إرشادي، لا، من باب الاستقذار أو احتمال أن هذه النجاسة تبقى فيتنجس بدن الميت بعد ذلك. هذا خلاف الظاهر جدًا. هذا الكلام الذي نقله في الحدائق عن البعض خلاف الظاهر. لو سلمنا بظهور هذه الروايات في لزوم إزالة النجاسة قبل الشروع في الغسل أو قبل الشروع في غسل العضو، فظاهرها من باب الوجوب الشرطي. وأما حملها على أنه من باب دفع الاستقذار العرفي أو مثلًا وقاية عن تنجس البدن، هذا خلاف الظاهر جدًا. لو سلمنا بوجود هذه الروايات الدالة على لابدية إزالة النجاسة قبل الشروع في الغسل، فلا محالة من التسليم بظهورها في الوجوب الشرطي، لو تمت، لكن ظهورها في أصل الوجوب ممنوع.
بقي شيء، وهو أنه يظهر من جملة من الأعلام كالسيد الخوئي رحمه الله وغيره، أن هنا يكتفى بتنقية وإزالة النجاسة، ليس لازمًا بالماء. يعني الآن إذا موجود نجاسة على بدن الميت، نجاسة غائط، نجاسة دم رطب، يكفي أن يزيلها، ليس لازمًا أن يستخدم الماء. يكفي في التطهير ولو إزالتها من دون غسله بالماء. يوجد قطرات دم رطبة على بدن هذا الميت، الآن هو يريد أن يشرع في غسله، ليس لازمًا أن يستخدم الماء في التطهير، يستخدم مناديل يزيل هذه النجاسة، هذا كافٍ. وهذا حكم تعبدي، هذا حكم تعبدي في المقام، لا أنه على مقتضى القاعدة.
الأغسال الواجبة للميت
بعد ذلك ذكر أن الواجب في الأغسال هو ثلاثة أغسال: غسل بماء السدر، ثم بالكافور، ثم بماء القراح. هذا هو المشهور بين فقهائنا، بل ادُعي عليه الإجماع في المدارك والذخيرة أنه المعروف من مذهب الأصحاب، عدا سلّار. سلّار قال بأن الواجب فقط غسل واحد بماء القراح، أما الغسلتين اللتين هما بماء السدر وماء الكافور فهما مستحبتان.
أدلة القائلين بوجوب غسل واحد ومناقشتها
واستدل على ذلك أولًا بالأصل، بتقريب أنه نشك أن الواجب غسلة واحدة أو غسلتان، القدر المتيقن غسلة واحدة بماء القراح، الزائد عن ذلك مشكوك تجري عنه البراءة. هذا الدليل الأول. الدليل الثاني الذي استُدل به له هو ما ورد في جملة من الروايات أن غسل الميت كغسل الجنابة، وغسل الجنابة لا يحتاج إلى ثلاثة أغسال. في غسل الجنابة إذا إنسان أجنب يكفيه غسل واحد، كذلك ما دام شُبّه غسل الميت كغسل الجنابة، فمعناه كما يرتفع حدث الجنابة بغسل واحد، أيضًا يرتفع حدث الموت بغسل واحد. في صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: “غسل الميت مثل غسل الجنابة”. يعني كما أن الجنابة ترتفع بغسل واحد، كذلك غسل الميت يرتفع بغسل واحد. الدليل الثالث الذي استدل به هو أنه ورد في الروايات أن الميت مجنب، وبالفعل غالب الناس إذا ماتوا يخرج منهم المني. فهذا وجه أن الميت جنب لأنه أيضًا حالة قبض الروح يخرج منه المني. فما دام قالت الروايات إنه يجب تغسيله لأنه جنب، فالجنابة ترتفع بغسل واحد، فكذلك في غسل الميت من جهة جنابته يحتاج إلى غسل واحد لا أكثر. في صحيحة زرارة: “قلت لأبي جعفر عليه السلام: ميت مات وهو جنب، كيف يغسل وما يجزي من الماء؟ قال: يغسل غسلًا واحدًا يجزي ذلك للجنابة ولغسل الميت، لأنهما حرمتان اجتمعتا في حرمة واحدة”. حرمة الموت وحرمة الجنابة اجتمعتا في شيء واحد خارجًا، فحينئذٍ يكفيه غسل واحد.
ولا يخفى ما في هذه الوجوه من خلل واضح. أما الاستدلال بأصالة البراءة من الزائد، فهذا لا مجال له لأمرين: الأمر الأول، لو سلمنا بأن المورد من موارد جريان أصالة البراءة، لكن متى نطبق أصالة البراءة؟ لو كان الواجب هو عنوان الغسل. لو كان الواجب هو عنوان الغسل، نقول المتيقن وجوب غسل واحد، أما الغسلتان فهما مشكوكتان تجري عنهما البراءة. أما لو كان عنوان الواجب هو تحصيل الطهارة، فهنا لو غسلناه بغسل واحد نشك في أنه حصلت الطهارة أم لا، والمقام من الشك في المحصّل، فحينئذ يجب الاحتياط وهو الإتيان بالثلاثة الأغسال حتى يتيقن بحصول الطهارة. فلا ندري أن الواجب هو عنوان الغسل أو أن الواجب هو عنوان الطهارة. على أن الذي يناسب روايات الباب، والذي يناسب المرتكز المتشرعي، أن الواجب ليس عنوان الغسل، الواجب هو عنوان تحصيل الطهارة. مثلًا في الرواية: “فإذا غسلته فقد طهر، فأنزله في قبره”. فعبّر أنه بعد التغسيل تحصل الطهارة. هذا الذي يناسب روايات الباب، ويناسب المرتكز المتشرعي كذلك، أن لزوم الأغسال الثلاثة هو من باب لزوم تحصيل الطهارة. يعني هذا واجب من قبيل الواجب المقدمي لحصول الواجب الأصلي، الواجب الأصلي تحصيل طهارة بدنه المتوقفة على الأغسال الثلاثة. على أنه أصلًا لا مجال للتمسك بأصالة البراءة في مقام وجود هذه الروايات الكثيرة الدالة على لزوم تغسيله ثلاثة أغسال. فنقول لسلّار: أنت لماذا قلت بوجوب غسل واحد؟ هي كلها في نسق واحد. الروايات الآمرة بتغسيله بماء القراح في سياقها أُمر بتغسيله غسل الكافور وغسل السدر. فكيف اقتصرت على ماء القراح وقلت بأن الغسل بماء السدر والغسل بماء الكافور مستحب؟ هذا تفكيك في السياق بلا موجب. التفكيك بين السياق الواحد من دون قرينة مخالف للبناءات العقلائية والمحاورات العرفية، فما يمكن التفكيك.