عنوان الدرس:

الدرس 19

اسم الأستاذ:

الشيخ محمد العبيدان

اسم الدورة: فقه الشعائر الحسينية - 2024-2025
تسلسل الدرس 19
تاريخ الدرس 03/11/2024
بسم الله الرحمن الرحيم
00:00 --:--

بحث دلالة آية (لا تحلوا شعائر الله) على مشروعية الشعائر الحسينية

مقدمة في الاستدلال بآية الشعائر

لا زال الكلام مستمراً حول الآية الثالثة من الآيات التي استند إليها في إثبات مشروعية الشعائر الحسينية بعنوان عام، بحيث يستفاد دلالتها بقول مطلق على شرعية كل ما يعبر عنه بأنه شعيرة، من دون فارق بين شعيرة وشعيرة. وبكلمة مختصرة؛ سنقسم الشعائر إلى قسمين: إلى شعائر منصوصة، وإلى شعائر غير منصوصة. أما الشعائر المنصوصة مثل البكاء والزيارة على سبيل المثال، فإنه لا كلام لنا في مشروعيتها ومحبوبيتها بعد تمامية الدليل الخاص عليها.

وإنما كل الكلام في الشعائر غير المنصوصة، وهي التي لم يرد فيها نص خاص؛ هل يمكننا أن نثبت شرعيتها من خلال دليل عام؟ أو لا يمكننا ذلك؟ وهذا يجرنا إلى مطلب مهم جداً، وهو توقيفية الشعائر وعدم توقيفية الشعائر. نحن الآن لا نتكلم عن الشعائر المنصوصة، بل نتكلم عن الشعائر غير المنصوصة؛ هل يمكننا أن نقيم دليلاً على شرعيتها فنخترع شعائر جديدة ونستحدث شعائر لم تكن موجودة من قبل؟ أو لا؟

مناقشة دلالة الآية الثالثة (لا تحلوا شعائر الله)

كان كلامنا في الآية الثالثة وهي قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ) [المائدة: 2]. وقد عرفنا وجود قولين في دلالة الآية القرآنية:

  • القول الأول: هو الذي يبني على أن المقصود من الشعائر في الآية القرآنية خصوص مناسك الحج.
  • القول الثاني: هو الذي يبني على أن المقصود من الشعائر في الآية القرآنية شعائر الدين، أي كل ما يكون موجباً للدلالة والإيصال إلى الله سبحانه وتعالى، وكل ما يكون مرشداً إلى الله عز وجل.

وقد استمعنا لإقامة أدلة ثلاثة على القول الثاني، وذكر دليلين على القول الأول، ومناقشة الدليلين المذكورين على القول الأول، وسلامة الأدلة الثلاثة المذكورة على القول الثاني. ومن هنا بنى الفاضل المعاصر -دام موفقاً- على توفر المقتضي وفقدان المانع لدلالة الآية القرآنية على الالتزام بشرعية مطلق الشعائر الإلهية والتي منها الشعائر الدينية، وعلى هذا يمكن البناء على شرعية كل شعيرة شعيرة ببيان قد تقدم.

مختار السيد السبزواري في دلالة الآية

إن ما اختاره الفاضل المعاصر -دام موفقاً- هو عين ما التزم به السيد السبزواري -أعلى الله في الخلد مقامه- في (مواهب الرحمن)، فقد بنى هناك على دلالة الآية القرآنية محل البحث على قاعدة عامة، وهي: عدم جواز هتك حرمات شعائر الدين، أو إعلامه، والتعدي عن حدود الله تبارك وتعالى من أمره ونهيه وفرائضه وأحكامه ومواثيقه وعهوده.

وقد بنى -رضي الله تعالى عنه- قراره بلحاظ أن المقصود من مفردة الشعائر في الآية القرآنية (لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ) هي ما جعله الله تعالى شعائر الدين ومعلماً من معالمه، كشعائر الحج وغيرها. وأن إضافة اللفظة إلى الذات المقدسة غرضها التشريف وتهويل الخطب في إحلالها؛ أي بيان أن من أحلها أو من هتكها أو من ضيع حرمتها فقد ارتكب أمراً عظيماً وشيئاً جسيماً وخطيراً حتى يستحق من الله عز وجل العقوبة.

وعليه قرر أن معنى الآية القرآنية هكذا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَهَاوَنُوا بِحُرُمَاتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَتَهْتِكُوا شَعَائِرَ اللَّهِ، فَتَجْعَلُوهَا حَلَالًا تَعْمَلُونَ فِيهَا كَمَا تَشَاءُونَ). هذا ما أفاده قدس سره في (مواهب الرحمن) في تفسير الآية الثانية من سورة المائدة.

العطف في الآية ودلالته

وفقاً لما ذكر، سوف يكون عطف الأمور المذكورة في الآية المباركة بقوله تعالى: (وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ)، سيكون من موارد عطف الخاص على العام، أو من موارد عطف المقيد (أو التقييد) بعد الإطلاق، وهذا شائع في الاستعمالات المحاورية وتدل عليه روايات كثيرة مذكورة في محالها.

مناقشة القول باختصاص الآية بمناسك الحج

بالنسبة للقول الآخر والذي يفيد أن المقصود من الشعائر في الآية هي خصوص مناسك الحج، لم يرتضِ -قدس الله تربته الطاهرة- ما صنعه بعض المفسرين من تخصيص الشعائر في الآية الكريمة بخصوص شعائر الحج، قال: لأنه تخصيص بغير دليل. إذن النتيجة لا مجال لترتيب الأثر على مثل هكذا أمر.

عرض تفسير القمي ومناقشته

تعرض بعد ذلك إلى كلام صاحب (تفسير القمي). علي بن إبراهيم في النسخة الموجودة بأيدينا اليوم فسر الآية القرآنية بالتالي، قال: بأن الشعائر الإحرام والطواف والصلاة في مقام إبراهيم عليه السلام والسعي بين الصفا والمروة والمناسك كلها من شعائر الله. ومن الشعائر إذا ساق الرجل بدنة في حج ثم أشعرها، أي قطع سنامها أو جلدها أو قلدها ليعلم الناس أنها هدي فلا يتعرض لها أحد، وإنما سميت الشعائر ليشعر الناس بها فيعرفوها.

عقب السيد السبزواري بأن هذا من موارد الجري والتطبيق وليس من التفسير، إذ أن الروايات التفسيرية عندنا نوعان: الروايات التفسيرية، والروايات المصداقية، وبالتالي هو يريد أن يقرر لو عددنا الكلام المذكور رواية فإنه من الروايات المصداقية، محمول على الجري والتطبيق.

بحث في سبب النزول وعلاقته بالعموم

قد يقال بأن سبب نزول الآية القرآنية يعد قرينة مانعة من التعميم. وهذا ما أشرنا إليه في سبب النزول الذي ذكره الطبرسي في (مجمع البيان) عن الإمام الباقر عليه أفضل الصلاة والسلام. حيث قال أبو جعفر عليه السلام: نزلت هذه الآية (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ) في رجل من بني ربيعة يقال له “الحطم” (بضم الحاء وفتح الطاء). ونقل عن السدي أنه قال: أقبل الحطم بن هند البكري حتى أتى النبي صلى الله عليه وآله فدعاه فقال: إلام تدعو؟ فأخبره، وقد كان النبي صلى الله عليه وآله قال لأصحابه: يدخل عليكم اليوم رجل من ربيعة يتكلم بلسان شيطان. فلما أخبره النبي صلى الله عليه وآله قال: انظرني لعلي أسلم ولي من أشاور، فخرج من عنده. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لقد دخل بوجه كافر وخرج بعقب غادر. فمر بسرح من سرح المدينة (قطيع) فساقه (سرقه وصادره)، ثم أقبل من عام قابل حاجاً قد قلد هدياً، فأراد رسول الله صلى الله عليه وآله أن يبعث إليه (من يقتله)، فنزلت هذه الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ) الآية. فقال ناس من أصحابه: يا رسول الله خل بيننا وبينه فإنه صاحبنا (الذي سرقنا)، قال صلى الله عليه وآله: إنه قد قلد (الهدي).

هذه الآية مقتضاها البناء على اختصاص موضوع الآية بخصوص شعائر الله التي هي مناسك الحج. أجاب السيد السبزواري -قدس الله تربته الطاهرة- عن هذا بالتالي:

  • أولاً (المناقشة الكبرى): منع صلاحية كل سبب نزول أن يكون مخصصاً للآية الشريفة، ولا يجدي نفعاً ولا ضرراً لما تضمنته الآيات من المعارف والأحكام ومكارم الأخلاق والكليات التي لها مصاديق كثيرة في مر الزمان. إذن لا يعول على أسباب النزول من قريب أو بعيد في التخصيص.
  • ثانياً (المناقشة الصغرى): لو تنزلنا والتزمنا بإمكانية الاستناد إلى سبب النزول، فإننا نقول يوجد عندنا مانع يمنع من القبول بما رواه ابن عباس في الدر المنثور، وذلك لما تسالم عليه أكثر المفسرين من أن سورة المائدة نزلت في حجة الوداع (آخر ما نزل)، وقد سبقتها سورة البراءة في النزول التي اشتملت على قوله تعالى (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ)، فيكون قوله تعالى (لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ) نزل بعد قوله تعالى (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا)، وكذا بعد قوله تعالى (وَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ). إذن لا مجال عليهم إلا أن نقول بالنسخ، فيكون قوله تعالى (وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ) منسوخاً بما ورد في سورة براءة، وهذا بعيد.

وتقدم كلام السيد عبد الأعلى أن الآية على إطلاقها وعمومها فلا تنافي عدم دخول المشركين إلى الحرم الإلهي، وأنها في مقام المدح والردع عن التعرض لحرمات الله سبحانه وتعالى من المشركين وغيرهم.

خلاصة البحث في الدليل الأول

نجمع كلام السيد السبزواري يؤول لباً إلى أجوبة الفاضل المعاصر، بأنه سيقرر عدم إمكانية التمسك بالسياق (لأن السياق لا يخصص)، وأن ما ورد في الكتب التفسيرية من أسباب النزول هو جري وتطبيق، وكلام علي بن إبراهيم القمي جري وتطبيق، النتيجة: لا يوجد ما يمنع من التمسك بإطلاق الآية القرآنية الداعي إلى البناء على حملها على مطلق الشعائر الدينية. وبالتالي نتمسك بالأدلة الثلاثة التي أقامها الفاضل المعاصر لإثبات صحة ما تبنى من شمولية الآية القرآنية في غير محلها.

ولكن يبقى عندنا وقفة وتدقيق؛ هل أن الدليل الأول (إجماع الأمة) هو إجماع اصطلاحي دخولي يكشف عن رأي المعصوم؟ أم هو مجرد اتفاق علماء؟ وهل أن الخلاف الموجود بين المفسرين والفقهاء يمنع من دعوى الإجماع؟ وهل التمسك بالإطلاق في الآية تام في ظل وجود قرينة (وحدة السياق القرآني) و(سبب النزول)؟ والظاهر أن لدينا قرينة تمنع من حجية الظهور بعد انعقاده، متمثلة في وحدة السياق وسبب النزول، وأنهما صالحان للمقام، وهذا ما سنعرضه في البحث القادم إن شاء الله.

التمرير إلى الأعلى