عنوان الدرس:

الدرس 18

اسم الأستاذ:

الشيخ محمد العبيدان

اسم الدورة: فقه الشعائر الحسينية - 2024-2025
تسلسل الدرس 18
تاريخ الدرس 20/10/2024
بسم الله الرحمن الرحيم
00:00 --:--

دلالة قوله تعالى: (وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ) على مشروعية الشعائر

الاستدلال بالآية ومناقشته

يقع الكلام في الحديث حول دلالة الآية القرآنية الثانية، والتي استند إليها بعض فضلاء العصر للاستدلال على مشروعية الشعائر بقول مطلق، وهي قوله تعالى: (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ) [الحج: 30]. وقد عرفنا فيما تقدم أن الاستدلال بها يقوم على أمرين:

الأول: أن يكون المقصود من (الْحُرُمَاتِ) الوارد ذكرها في الآية المباركة هو معنى يساوق في حقيقته شعائر الله تعالى، وإن كانا يفترقان من حيث اللحاظ؛ فإن الحرمات ناظر إلى جهة الاحترام والتقديس، والشعائر ناظر إلى جهة الإشعار والإظهار، مما يجعل وزان الآية محل البحث وزان الآية المتقدمة من حيث المضمون.

الثاني: وهو أن المستفاد من قوله تعالى: (فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ) يعني ثبوت الجزاء الإلهي لفاعل التعظيم للحرمات، سواء كان هذا الجزاء مادياً أم كان الجزاء معنوياً، وهو سوف يكشف حينئذ عن الحكم التكليفي وهو الدلالة على محبوبية التعظيم للحرمات. ولما كان هذا قد ورد بلسان الجملة الخبرية في مقام الإنشاء، دل ذلك على وجوب التعظيم للحرمات وليس الاستحباب؛ لما ثبت في الأصول من أقوائية دلالة الجملة الخبرية في مورد الإنشاء على الوجوب من صيغة الأمر في الدلالة على ذلك.

المناقشة في دلالة الآية

ويمكن منع الأمرين اللذين قام الاستدلال عليهما:

أولاً: منع عمومية الحرمات لوجود القرينة السياقية

يمكن منع الأمر الأول بوجود قرينة في الآية القرآنية توجب اختصاص الحرمات المذكورة فيها بخصوص مناسك الحج ومشاعره. والقرينة عبارة عن اسم الإشارة في مطلع الآية المباركة، وهو قوله تعالى: (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ). فإن هذا المعنى يشير إلى شيء قد تقدم، يتضح بملاحظة مجموع الآيات القرآنية السابقة على هذه الآية.

يقول عز من قائل في سورة الحج: (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ۖ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ * ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ * ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ). فإن (ذَلِكَ) اسم إشارة لما تقدم، وهذا يعني أن المقصود بالحرمات في الآية القرآنية هو ما تقدمت الإشارة إليه قبل ذلك، فيترتب الأثر.

وقد أشار إلى هذا المعنى السيد الطباطبائي (أعلى الله في الخلد مقامه)، فقد ذكر: (وقوله: (ذَلِكَ) أي الأمر ذلك، أي الذي شرعناه لإبراهيم عليه السلام ومن بعده من نسك الحج هو ذلك الذي ذكرناه وأشرنا إليه من الإحرام والطواف والصلاة والتضحية بالإخلاص لله والتجنب عن الشرك). إذاً، هذا يشكل قرينة مانعة من البناء على كون المقصود بالحرمات في الآية القرآنية المعنى العام، وإنما يكون المقصود به خصوص ما تقدم ذكره وهو عبارة عن مناسك الحج ومشاعره.

فإن قيل: سلمنا بوجود اسم الإشارة في الآية القرآنية، لكننا نقول بأن اسم الإشارة الوارد ذكره في الآية المباركة لا ربط له بالآية محل البحث، وإنما هو مربوط بما تقدمها، وهذا يجعل مبتدأ الآية الكريمة محل البحث هو قوله تعالى: (وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ)، فلا يصلح أن يكون اسم الإشارة الموجود في المقام قرينة مانعة من استفادة العموم من الآية، وكان الآيات السابقة تنتهي عند قوله تعالى (ذَلِكَ) ثم بعد ذلك يبدأ شيء جديد.

قلت: هذا المعنى قد يظهر من السيد الطباطبائي (قدس سره) بأن (ذَلِكَ) مرتبط بما تقدم وليس مرتبطاً بما جاء بعد ذلك في الآية القرآنية. ومع ذلك، نقرر بانه لا يمكن البناء على دلالة الآية القرآنية على عموم؛ وذلك لما أفاده السيد الطباطبائي (قدس سره) من أن مقتضى السياق أن يكون قوله تعالى: (وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ) توطئة وتمهيد لما بعده من قوله تعالى: (وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ).

يقول السيد العلامة: (فإن انضمام هذه الجملة إلى الجملة قبلها يفيد أن الأنعام على كونها مما رزقهم الله وقد أحلها لهم فيها حرمة إلهية وهي التي يدل عليها الاستثناء بقوله: (إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ)). هو يريد أن يقرر التالي: بأن الله سبحانه وتعالى قد أحل لكم الأنعام، ومراجعة كلام الشيخ مغنية (رحمه الله) في الكاشف في تفسير الآية القرآنية توضح المطلب، حيث ذكر بأن القوم كانوا يعتقدون أن ما يذبح في الحج من الأنعام يحرم عليهم الأكل منه، فالله عز وجل جاء وقال لهم: لا، ليس كل ما يحرم في الحج من الأنعام محرم، وإنما شيء منه محرم وشيء منه غير محرم.

فعندما يقول سبحانه وتعالى: (وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ) و (وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ)، فـ (وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ) إشارة إلى أن من يقوم بذبح الذبائح على طبق الموازين الشرعية يكون قد عظم حرمات الله سبحانه وتعالى، فتحل له تلك الذبائح التي قام بذبحها. فده توطئة، إشارة إلى بيان كيفية الذبح الذي ينبغي أن يكون حتى يكون الأمر من المحرم. ولذا قلت بأن ما أفاده السيد العلامة الطباطبائي (قدس سره) يدل دلالة واضحة على عدم استفادة العموم من الآية القرآنية؛ لأن موضوعها سوف يكون خصوص بهيمة الأنعام والدلالة على حليتها إليهم.

دلالة النهي عن الأوثان وقول الزور

ويؤيد ذلك أيضاً تعقيب الكلام بقوله: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ)؛ فإن اجتناب الأوثان واجتناب قول الزور وإن كانا من تعظيم حرمات الله، ولذلك تفرع (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ) على ما تقدمه من قوله (وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ)، لكن تخصيص هاتين الحرمتين من بين جميع الحرمات في سياق آيات الحج بالذكر ليس إلا لكونهما مبتلى بهما في الحج يومئذ، وإصرار المشركين على التقرب من الأصنام هناك وإهلال الضحايا باسمها.

إذاً كلامه (قدس الله تربته الطاهرة) أيضاً يدلل بل يؤكد على أن موضوع الآية القرآنية ليس مطلق الحرمات، وإنما موضوع الآية القرآنية هو خصوص حرمات الحج، فتكون الآية القرآنية مختصة بموردها لا عموم فيها أوسع من ذلك.

مناقشة دلالة (من) البيانية

من خلال ما تقدم سوف نصل إلى نتيجة: أن (مِن) في الآية القرآنية (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ) بيانية. وهذا ما أراد المستدل أن يتكئ عليه؛ أن مقتضى كون (مِن) في الآية القرآنية بيانية يساعد على أن المقام مقام سعة وشمول. نقول: لا، مجرد كون (مِن) في الآية القرآنية بيانية لا يعد أمراً نافعاً أو مفيداً لإثبات العموم والسعة في مدلول الآية؛ وذلك لما ذكره السيد العلامة أيضاً (قدس الله تربته الطاهرة) من أن الغرض هو إعطاء نهي عام عن التقرب إلى الأصنام وقول الباطل، وقد جاء ذلك لغرض التقرب إلى الأصنام في عمل الحج كما كانت عادة المشركين جارية عليه، وعن التسمية باسم الأصنام على الذبائح من الضحايا. إذاً النتيجة: أن المقام يتضمن قرينة مانعة من البناء على السعة والشمول وهو اسم الإشارة بالبيان الذي قد ذكرت.

ومع أنه يمكن البناء على أن (مِن) في الآية نشوية – حيث عندنا في (مِن) محتملات ثلاثة أو أربعة: بيانية، تبعيضية، نشوية، أو كما قيل أن تكون جميعها – فيكون معنى الآية القرآنية: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ) الناشئ عن الأوثان. فيكون المورد نظير ما ذبح على النصب، نظير ما ذبح دون ذكر اسم الله عليه، نظير ما أهل به لغير الله سبحانه وتعالى. فيكون المقصود من قوله تعالى: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ) يعني ما أهل به لغير الله سبحانه وتعالى، وهو رجس لأنه صادر عن الأوثان. وفقاً لذلك لن يكون التعبير الوارد بقوله (قَوْلَ الزُّورِ) مفيداً للعموم في الآية القرآنية، بل سوف يكون قولاً من الزور أو قولاً في الزور حتى يكون منسجماً تماماً مع كون (مِن) نشوية.

ثانياً: المناقشة في دلالة (خير له)

لو لم تقبلوا بما ذكرت وقررتم بأن (ذَلِكَ) في الآية مرتبطة بما تقدم، ولا يوجد في الآية القرآنية ما يمكن الاستناد إليه للبناء على اختصاصها بمناسك الحج، يبقى التعبير بـ(حُرُمَاتِ) عاماً شاملاً يصلح لكل ما ينطبق عليه أنه شعيرة. يمكننا أن نشكل ثانياً: لو لم يقبل بما ذكرنا، يمكن البناء على منع سعة مدلول الآية القرآنية بملاحظة ما تضمنته النصوص تفسيراً لها.

فقد ورد في البرهان عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) في قول الله عز وجل: (وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ) قال: (هي ثلاث حرمات واجبة، فمن قطع منها حرمته فقد أشرك بالله: الأولى انتهاك حرمة الله في بيته الحرام، والثانية تعطيل الكتاب والعمل بغيره، والثالثة قطيعة ما أوجب من فرض مودتنا وطاعتنا). طبعاً لا ينسجم لسانها ولسان الجري والتطبيق بحملها على أنها بصدد بيان بعض المصاديق، إذ أن التعبير بقوله (عليه السلام) (هي ثلاث حرمات واجبة) لو لم تكن نصاً صريحاً في الحصر، لا أقل لا ريب في ظهورها في ذلك. وهذا يعني أن الإمام (عليه أفضل الصلاة والسلام) بصدد التفسير وبيان الحقيقة المقصودة من مفهوم الحرمات في الآية.

تعدد معاني (الخير) في القرآن

حتى الأمر الثاني الذي أفاده المستدل يمكن المناقشة فيه. ذكر في الأمر الثاني أن تفسير كلمة (خَيْرٌ) فيه احتمالان: الاحتمال الأول أن تكون بمعنى الثواب الإلهي، والاحتمال الثاني أن تكون بمعنى القرب من الله عز وجل. هذا الذي أفاده من باب تفسير الخير ليس في الحقيقة بياناً لحقيقة الخير، وإنما هو ذكر لبعض مصاديق أحد معاني الخير.

المراجع لكلمات أهل اللغة يقف على أنهم يذكرون أن مادة (خير) تدل على العطف والميل. وعند الرجوع للاستعمالات القرآنية، نقف على أن مادة (خير) قد استعملت في القرآن الكريم في معاني أربعة:

  • المعنى الأول: كل ما هو طيب وممدوح ومرغوب فيه، وهو يشمل العافية والسعة والنفع والأجر وغير ذلك، ومنه قوله تعالى: (وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ) [الحج: 36]، يعني لكم فيها منافع كثيرة في الدنيا والأجر في الآخرة.
  • المعنى الثاني: أن الخير بمعنى الإسلام أو القرآن، ومنه قوله تعالى: (مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ).
  • المعنى الثالث: المال، ومنه قوله تعالى: (إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ) يعني إن ترك مالاً.
  • المعنى الرابع: الأفضل، ومنه قوله تعالى: (قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ) يعني أنا أفضل منه.

من الواضح أن الذي يصلح أن يكون مربوطاً بالآية محل البحث هو الاستعمال الأول، وهو الذي يمكن أن ينسجم مع ما ذكره الفاضل المعاصر لتقريب دلالة الآية بالمحتملين اللذين قد سمعت (الثواب والقرب). ومع عدم وجود ما يوجب ترجح أحد المحتملات على البقية، فإنه يصعب الجزم بكون المقصود به في الآية هو خصوص هذين المحتملين. خصوصاً وأن الاستعمال الأول يتضمن محتملات متعددة، يمكن حمل اللفظ في الآية عليها مثل العافية أو السعة أو النفع. بل لو بني على الأمر الأول وهو التعويل على الكشف الإني، فإنه ليس واضح الدلالة على المدعى.

ننتهي إلى نتيجة: أن الآية القرآنية ومن خلال المقدمتين أو الأمرين اللذين بنى عليهما الاستدلال الفاضل المعاصر، غير صالحين لترتيب الأثر.

التمرير إلى الأعلى