دلالة النهي عن إحلال شعائر الله على وجوب تعظيمها
محل الاستدلال بالآية
يقع الكلام في الآية الثالثة من الآيات التي استند إليها لإثبات وجوب تعظيم الشعائر، ومن ثم الاستفادة من عموم فوقي يصلح أن يكون مرجعاً في موارد الاستدلال. وهي قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا ۚ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا ۚ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا ۘ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَتَقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ).
تقريب الاستدلال بالآية
لابد ابتداءً من الالتفات إلى أن محل الاستدلال بالآية في المقام هو النهي الذي تعلق بإحلال الشعائر الإلهية؛ فإن النهي (لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ) يدل على حرمة إحلال شعائر الله سبحانه وتعالى، كما هو مقتضى القاعدة في حجية الظهور، فإن المقرر في الأصول أن النهي ظاهر في الحرمة، فيستفاد من ذلك أن هذا النهي يعني يحرم عليكم إحلال شعائر الله سبحانه وتعالى.
الملازمة بين حرمة الهتك ووجوب التعظيم
إن لازم ما ذكر هو البناء على ثبوت حرمة هتك الشعائر وإحلالها بعدما حرم الله سبحانه وتعالى هذا الأمر. ودلالة الآية الشريفة على وجوب تعظيم الشعائر يكون بواسطة أحد أمور:
الأمر الأول: الالتزام بوجود ملازمة عقلية أو ملازمة عرفية بين حرمة الهتك للشعائر وبين وجوب تعظيمها؛ فإن اللازم من حرمة الهتك هو وجوب التعظيم، واللازم من عدم جواز الإحلال هو وجوب التعظيم. سواء كانت هذه الملازمة ملازمة عقلية -بمعنى أن العقل يحكم بأن ترك هذا الأمر يقتضي فعل هذا الأمر- أو لأن العرف يفهم هذا المعنى، بأن الإعراض عن هذا الشيء يقتضي الإتيان بهذا الشيء.
وتمامية الملازمة المذكورة تتوقف على كون التقابل بين الأمرين تقابل الملكة والعدم، أو أن يكون التقابل بين الأمرين تقابل الضدين اللذين لا ثالث لهما، حتى تكون القضية حينئذٍ مانعة جمع ومانعة خلو. إذ لا يخلو الأمر إما من إحلال الشعائر (بمعنى الهتك) أو من تعظيم الشعائر، فالإنسان إما أن يكون محلاً للشعائر (أي هاتكاً لها) أو أن يكون معظماً للشعائر؛ إذ لا يمكن أن يكون الإنسان في ذات الوقت محلاً ومعظماً. وعليه، سوف يلتزم أن مقتضى النهي عن إحلال الشعائر هو ثبوت وجوب تعظيم الشعائر.
الأمر الثاني: أن يكون هناك ارتكاز متشرعي على الملازمة بين حرمة الإحلال ووجوب التعظيم، وعدم التفريق بين حرمة الهتك ووجوب التعظيم شرعاً؛ بدعوى أن كل ما حرم هتكه كشف ذلك عن احترامه وجلالة قدره عند الشرع، وكل ما كان محترماً عند الشرع يجب تعظيمه؛ لأنه من مظاهر احترام الشرع وتقديسه. والنتيجة: ما دام الشارع المقدس قد قال لا ينبغي هتك الشعائر، يعني الشارع قال يجب احترام الشعائر، ومعنى احترام الشعائر يعني وجوب تعظيم الشعائر.
الأمر الثالث: الالتزام بوجود ملازمة عرفية، بأن يقال بأن عدم الهتك لا يصدق عرفاً إلا بإظهار الاحترام والتقديس، لعدم وجود حالة ثالثة تتوسط إظهار الهتك وإظهار التعظيم يمكن أن يلتزم العبد بها. فإما أن يكون مظهراً لتعظيم الشعائر أو يكون هذا الإنسان هاتكاً لحرمة الشعائر؛ لا يوجد عندنا برزخية بين الأمرين. وعليه، فإن عدم الهتك عرفاً لا يصدق إلا بإظهار الاحترام والتقديس.
الأمر الرابع: أن يستفاد وجوب تعظيم الشعائر من الآية القرآنية من خلال الاستفادة من كلمة الحِل والإحلال التي وردت في الآية (لَا تُحِلُّوا). فالمقصود من الحل والإحلال في الآية بمعنى الإباحة وعدم المبالاة بما حرمه الشارع المقدس واحترمه. وهذا يعني أن إحلال شعائر الله هو إباحة ما حرم الله إباحته منها. يقابل ذلك تحرم شعائر الله، ومعنى حرمة شعائر الله يعني احترامها. ولا يتحقق الاحترام إلا بإظهار ذلك على الجوارح، وعليه يكون النهي عن التحليل ملازماً للأمر بالتحريم والتكريم، لأنه لولا التحريم لن يصدق التحليل والإباحة.
تحديد المقصود من (شعائر الله)
بقي الكلام في تحديد المقصود بمفردة الشعائر الواردة في الآية القرآنية: (لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ)، فما هو المقصود بالشعائر في الآية؟ هنا عندنا احتمالان:
- الاحتمال الأول: أن يكون المقصود من شعائر الله هو المعنى اللغوي، ويشمل كل ما يشعر بالله سبحانه وتعالى ويرشد إليه من معالم دينه وأحكامه وحدوده.
- الاحتمال الثاني: أن يكون المقصود من شعائر الله المعنى الاصطلاحي، وهو المعنى الذي أسسه القرآن الكريم عندما أطلق لفظ الشعائر على مناسك الحج خاصة. فيكون المعنى حينئذٍ: لا تحلوا مناسك الحج فتضيعوها.
ويساعد على الاحتمال الثاني وحدة السياق؛ فإن الآيات التي ورد فيها ذكر الشعائر جاءت في سياق بيان أحكام مناسك الحج، فتكون الشعائر حقيقة عرفية خاصة استعملها الشارع المقدس. وعليه سيكون مدلول الشعائر حقيقة عرفية في خصوص مناسك الحج، وهذا يعني أن الآية القرآنية ستكون أجنبية تماماً عن الدلالة على قاعدة الشعائر العامة، ولن يمكن جعلها عاماً فوقياً يرجع إليه حال فقدان الدليل الخاص، بل سوف تكون القاعدة خارجة من تحت مدلول الآية القرآنية خروجاً تخصصياً.
مناقشة الاحتمالات وأقوال العلماء
إذا راجعت كلمات المفسرين، كالقرطبي والألوسي، والشيخ الطوسي في التبيان، والشيخ الطبرسي في مجمع البيان، ستجد أن أكثر علماء التفسير قد نصوا على ذكر أقوال متعددة في تحديد المقصود من مفردة الشعائر، لكن جميع ما ذكروه يعود إلى خصوص قولين: إما المعنى اللغوي وإما المعنى الاصطلاحي. بل إن أكثر علماء التفسير على الأول منهما وهو المعنى اللغوي، فتكون الآية ناظرة إلى قاعدة عامة وإلى عام فوقاني.
وقد استند أصحاب القول الأول (المعنى العام) إلى أدلة ثلاثة:
- انعقاد إجماع الأمة على عدم انحصار شعائر الله تعالى في خصوص ما تضمنته الآية الشريفة (مناسك الحج، الشهر الحرام، الهدي، القلائد)، بل هي أكثر من ذلك، وهذا يوجب حمل معنى الشعائر في الآية على المعنى اللغوي دون الاصطلاحي.
- ضم شيئين إلى بعضهما البعض: ما ورد من أن العرب لم تكن تعتقد بشعائرية الصفا والمروة ولم تكن تعدهما من الشعائر، ولذلك امتنع المسلمون من الطواف بينهما، ولعل هذا منشأ قوله تعالى: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ). الأمر الثاني أن قوله تعالى (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ) يدل على أن الصفا والمروة ليست هي تمام الشعائر وإنما هي (من) شعائر الله.
- التمسك بإطلاق الآية القرآنية ورجوع جميع المعاني التي تضمنتها إلى المعنى الأول (اللغوي) لأنه شرح للمفهوم.
مناقشة السيد البوجنوردي للقول بالعموم
في المقابل، اختار جمع من علماء الطائفة المعنى الثاني (الاصطلاحي الخاص)، ومنهم المقدس الأردبيلي في زبدة البيان، والسيد البوجنوردي في القواعد الفقهية. وقد استدل السيد البوجنوردي على مختاره بقرينتين:
القرينة الأولى: قرينية وحدة السياق؛ فإن الآية القرآنية (لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ) واردة في سياق الحديث عن المناسك، فتشكل قرينة مانعة من الالتزام بالسعة والشمول.
القرينة الثانية: التمسك بسبب نزول الآية القرآنية؛ فإن سبب النزول يدل على أن المراد من إحلال الشعائر هو إحلال القتال والنهب والغارة في الشهر الحرام. فقد ورد في مجمع البيان قصة (الحطم بن هند البكري) الذي أتى النبي (صلى الله عليه وآله) وخلف خيله خارج المدينة وتكلم بلسان شيطاني، ثم خرج فمر بسرح (ماشية) من سروح المدينة فساقه، ثم أقبل في عام قابل حاجاً، فأراد رسول الله أن يبعث إليه، فنزلت الآية ومنع الله رسوله عن القتال وأخذ الهدي.
ومفاد الواقعة أن النبي (صلى الله عليه وآله) أراد أن يعاقبه ويقاتل أصحابه، لكن حيث إن ذلك كان في الشهر الحرام نهاه الله عز وجل، فوصف هذا العمل بأنه إحلال شعائر الله. وعليه، فإن السياق ومورد النزول يدلان على أن الآية ليست في مقام بيان حكم عام مفاده حرمة هتك الشعائر الدينية أو وجوب تعظيمها مطلقاً، وإنما هي في مقام بيان وجوب تعظيم الشهر الحرام ومناسك الحج فقط.
وهكذا، بناءً على كلام السيد البوجنوردي، فإن الآية تكون أجنبية عن المدعى العام (قاعدة تعظيم الشعائر مطلقاً)، وتختص بخصوص المناسك.