عنوان الدرس:

الدرس 17

اسم الأستاذ:

الشيخ محمد العبيدان

اسم الدورة: فقه الشعائر الحسينية - 2024-2025
تسلسل الدرس 17
تاريخ الدرس 13/10/2024
بسم الله الرحمن الرحيم
00:00 --:--

الاستدلال على مشروعية الشعائر الحسينية بآية تعظيم الحرمات

كان الكلام ولا زال مستمراً في الاستدلال على مشروعية الشعائر الحسينية بالدليل العام. وقد استعرضنا فيما مضى الاستدلال بقوله تعالى: (ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ) على أساس أن الغرض هو إيجاد دليلٍ عام يصلح أن يكون عاماً فوقياً، يُستند إليه في إثبات مشروعية كل ما ينطبق عليه عنوان الشعيرة الحسينية، ولو كان من الشعائر المستجدة والمستحدثة والتي لم يرد فيها دليلٌ أو نصٌ خاص، مثل «التطيين» مثلاً، أو مثل «التطبير» مثلاً، أو مثل «المشي على الزجاج» وأضراب ذلك مما لم يكن موجوداً في عصر صدور النص ويكون الدليل عليه دليلاً خاصاً.

الدليل الثاني: التمسك بآية تعظيم الحرمات

عرفنا فيما تقدم الحديث حول الدليل الأول وهو التمسك بآية تعظيم الشعائر، وقد ذكرنا عدم صلاحيتها لإفادة عمومٍ فوقي يصلح لإثبات مشروعية كل ما انطبق عليه عنوان شعيرةٍ مضافةٍ لله سبحانه وتعالى ببيانٍ مضى.

يقع الكلام الآن في أدلةٍ أخرى مما تمسك به غير واحدٍ من الباحثين والكُتّاب والعلماء. فمن ذلك ما تمسك به بعض فضلاء العصر (وفقه الله) حيث استدل بقوله تعالى: (ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ)؛ حيث أراد الاستدلال بهذه الآية القرآنية لدلالتها على عمومٍ فوقيٍ يُستفاد منه مشروعية كل ما ينطبق عليه أنه شعيرةٌ من الشعائر الإلهية. ومن المعلوم أن الشعائر الحسينية من أجلى مصاديق الشعائر الإلهية، فتندرج تحت هذا العموم وتثبت المشروعية لكل شعيرةٍ شعيرة.

كيفية الاستدلال بالآية القرآنية

قال (المصنف): إن دلالة الآية القرآنية على المدعى تكون من خلال مقدمتين:

المقدمة الأولى: بيان المقصود من الحرمات

وهو تحرير المراد من قوله تعالى: (وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ). حيث ذكر بأن المقصود منها هي عبارة عما لا يسوغ انتهاكه. ولبيان ذلك قال: بأننا لو أردنا أن نحدد المقصود من مفهوم الحرمات المذكور في الآية القرآنية نجد أن هناك معاني متعددة محتملة فيها، عمدتها مَعنيان:

  • المعنى الأول: أن يكون المقصود من الحرمات في الآية عبارة عما يكون ضد الحلال. ومن ذلك قوله تعالى: (أَحْرَمَ الرَّجُلُ بِالْحَجِّ)، لأنه بإحرامه للحج سوف يحرم عليه ما كان حلالاً من الصيد والنساء وغير ذلك من الأمور التي كانت محللة له، فإنها سوف تصبح حينئذٍ محرمةً عليه. ومحارم الله عز وجل حرماته. وهذا المعنى اللغوي يقرب من المعنى الاصطلاحي؛ فإننا لو رجعنا إلى أهل الاصطلاح نجدهم بأنهم يفسرون الحرام بـ: «أنه كل ما زجر الله سبحانه عن فعله وتوعد عليه بالعقاب». ولهذا فسر بعضهم الحرام بأنه: «حرمات الله بمعاصي الله».
  • المعنى الثاني: لكلمة الحرمات وهو: «كل ما لا يحل انتهاكه مما يُعد محترماً وكريماً». والحريم الذي حُرم مسه فلا يُدنى منه. والحريم من كل شيء ما تبعه، فحرم بحرمته من مرافق وحقوق؛ فحريم الدار ما أضيف إليها من حقوقها ومرافقها وما دخل في الدار مما يغلق عليه بابها، وكذا حريم المسجد وحريم البئر، أي الموضع المحيط بالمسجد والموضع المحيط بالبئر.

إذن المقصود من الحرمات في المقام عبارة عن كل ما لا يحل انتهاكه، وعبارة عن كل ما يُعد محترماً وكريماً. أضيفت الحرمات في الآية القرآنية لله سبحانه وتعالى إعظاماً لها، لأن إضافتها للأشرف إعطاؤها شرفاً وتشريفاً، كما يقال مثلاً للكعبة: (بيت الله) تعظيماً للكعبة، و(شهر رمضان شهر الله) تعظيماً لشهر رمضان، وهكذا.

فسر بعضهم الحرمات في الآية القرآنية بالبيت الحرام والبلد الحرام والمسجد الحرام وأمثال ذلك. أجاب (المصنف) عن هكذا تفسير: قال بأن هذا خلطٌ بين المفهوم والمصداق، كما تقدم ذكره في بيان الآية الأولى. إذن بناءً على هذا، المقصود من الحرمات في الآية القرآنية هو المعنى الثاني: «كل ما لا يحل انتهاكه مما يُعد محترماً وكريماً».

المقدمة الثانية: دلالة «خير له عند ربه»

وهي مرتبطة بذيل الآية القرآنية، قال: (فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ). يُستفاد من هذا التعبير وجود ملازمةٍ شرعيةٍ بين تعظيم الحرمات الإلهية وبين حصول الخير للمعظم لها عند الله عز وجل. على أساس أن الضمير (وَهُوَ) راجعٌ إلى التعظيم؛ فالتعظيم خيرٌ له عند ربه. فيكون معنى الآية القرآنية ما قلت: «إن من يعظم حرمات الله ينال خيراً عند ربه».

ما هو المقصود من الخير؟ يحتمل فيه أمران:

  1. الاحتمال الأول: الثواب الإلهي. ولو بنينا على هذا الاحتمال ستكون الآية القرآنية كاشفة عن الحكم التكليفي، لأن الثواب لا يترتب إلا على الحكم التكليفي، وهذا يعني أنه إما واجب أو مستحب.
  2. الاحتمال الثاني: أن يكون المقصود من الخير في الآية القرب والدرجة المعنوية. فتكون الآية القرآنية ناظرة إلى حكمٍ وضعي، ويكون مفادها حينئذٍ أن من يعظم حرمات الله يحظى وينال ويحصل على مقام القرب من الله عز وجل.

تطبيق القاعدة على الشعائر الحسينية

بالنتيجة، سوف يُلتزم بتمامية دلالة الآية القرآنية لبيان عمومٍ فوقي يدل على مشروعية كل شعيرةٍ إلهية. ومن أجلى مصاديق الشعائر الإلهية «الشعائر الحسينية». فنستطيع أن نثبت مشروعية كل شعيرةٍ مستحدثة ومستجدة، فلو خرجت إلينا يوم عاشوراء وقد «طينت» نفسك «تطييناً» كاملاً، هذا ليس من الأمور المشروعة فقط بل من الأمور المستحبة، أو قمت بممارسة «التطبير»، أو «المشي على الزجاج» والمشي على النار، والمشي على السعف، وأضراب ذلك؛ فإنه كله لا مانع فيه، لأنه من مصاديق الشعيرة الحسينية المستجدة التي ينطبق عليها العنوان، فتكون داخلةً تحت الحكم، ويكون لكم جميعاً -فيما أقدمتم عليه- من الله عز وجل الأجر والثواب.

التمرير إلى الأعلى