عنوان الدرس:

الدرس 16

اسم الأستاذ:

الشيخ محمد العبيدان

اسم الدورة: فقه الشعائر الحسينية - 2024-2025
تسلسل الدرس 16
تاريخ الدرس 06/10/2024
بسم الله الرحمن الرحيم
00:00 --:--

مناقشة دلالة آية تعظيم الشعائر وإشكالات المحقق النراقي

مقدمة في دلالة الآية وتحديد محل النزاع

كان الكلام فيما تقدم في دلالة قوله تعالى: (ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ) على إفادة عمومٍ فوقيّ يصلح إلى وجوب تعظيم مطلق الشعائر الإلهية. وقد عرفتَ المنع من تمامية ذلك؛ فإن الإجابات التي ذكرها بعض الفضلاء من المعاصرين على كلام (المحقق النراقي قدس سره) محل تأمل بل منع ببيان قد مضى.

الإشكالات الواردة في المقام

بقي عندنا في المقام إشكالان:

  • الإشكال الأول: إشكال الدور الذي يمكن عرضه على الاستدلال بالآية القرآنية لإثبات وجوب تعظيم الشعائر الإلهية.
  • الإشكال الآخر: إجمال الحكم المستفاد من الآية المباركة.

أولاً: مناقشة إشكال الدور

أما بالنسبة إلى إشكال الدور، فيقال هكذا: لو سُلِّم وبُني على تمامية دلالة الآية القرآنية على كبرى كلية وهي (تعظيم الشعائر الإلهية)، إلا أنه قد يُمنع صلاحية الآية للدلالة على استحباب إقامة مجالس العزاء للنبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله) والأئمة الطاهرين عليهم السلام والصديقة الزهراء روحي لها الفداء. وكذا أيضاً يُمنع دلالة الآية القرآنية على استحباب إحياء مناسبات ولادتهم المباركة؛ لأنه يستلزم الدور.

بيان الدور

حتى يتم الاستدلال بالآية القرآنية على استحباب إحياء مناسبات المعصومين عليهم السلام (ولادةً وشهادةً)، لابد وأن يُحرز أن مناسبات الولادة ومناسبات الشهادة من شعائر الله سبحانه وتعالى. وكونها كذلك فرع ثبوت استحبابها المؤكد، وفرع ثبوت محبوبيتها عند الله سبحانه وتعالى. والمفروض أن استحباب الإحياء يُراد إثباته من خلال الآية القرآنية، فيكون دوراً مصرحاً.

لأنكم تقررون: يستحب إحياء مناسبة شهادة الصديقة عليها السلام. لماذا يستحب إحياء شهادة الصديقة الزهراء؟ لأنها شعيرة، والآية القرآنية قالت: (ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ). فإثبات شعيرية إحياء مناسبة الزهراء فرع إثبات دلالة الآية، فيكون الشيء متوقفاً على نفسه تقريباً، وبالتالي يرتب الأثر.

الجواب عن إشكال الدور

إنصافاً، هذا الإشكال غريب؛ لا أجد في المقام دوراً أصلاً. وإنما صحيح بأن يقرر: إن إثبات محبوبية إحياء مناسبات المعصومين عليهم السلام متوقف على إثبات انطباق عنوان الشعيرة عليهم، لكن عنوان الشعيرة ليس متوقفاً على إحياء مناسبات المعصومين عليهم السلام حتى يكون مصرحاً من الدور المصرح.

بعيداً عن هذا الأمر، يمكننا أن ندفع الإشكال بصورة أدق، فنقول: بأن تمامية الإشكال المذكور لو قُبل تعتمد بصورة أساس على تفسير مفردة الشعيرة. فلو فُسرت الشعيرة بأنها: (كل علامة تدل على الله سبحانه وتعالى) كما تمت الإشارة لذلك في مطلع البحث عند الحديث عن مفردة الشعائر وعن دلالة الآية القرآنية.

وبالتالي يُقرر بأن معنى ذلك أن تكون العلامة دالة على الله تعالى، يعني أن تكون العلامة سبباً موجباً لطاعة الله سبحانه، أن تكون العلامة سبباً لتحصيل رضاه، أن تكون العلامة سبباً لتقوية دينه، دليلاً عليه، آية من آيات عظمته. ولا ريب ولا إشكال في صدق ذلك على مجالس شهادة المعصومين عليهم السلام ومجالس ولادتهم، خصوصاً مجالس شهادة الإمام الحسين عليه السلام. ما يعني أن مجالس الإحياء (ولادة وشهادة) مصداق للشعيرة، وبالتالي يكون تعظيمها لازماً واجباً كما سمعت ذلك عند البحث عن الآية القرآنية.

وهذا يعني أن ذات مفهوم الشعيرة يوجب البناء على استحباب هذه الأمور، لا أن هذه الأمور تثبت شعيرية الشعيرة حتى يكون المورد من صغريات الدور.

ثانياً: شبهة التمسك بالعام في الشبهة المصداقية

هنا نقطة أيضاً ينبغي الالتفات إليها، وهي: لا مجال لأن يُتوهم أن المقام من صغريات التمسك بالعام في الشبهة المصداقية. نحن لا نشك في انطباق عنوان طاعة الله سبحانه وتعالى ودليل عظمته. حتى يُسلّم بأن المورد من صغريات التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، لابد وأن يحصل عندنا شك في أن مجلس شهادة الصديقة الزهراء عليها السلام شعيرة أو ليس شعيرة؟ مما يدل على الله عز وجل أو لا يدل؟ مما يوجب تقوية دين الله أو لا يوجب؟

فإذا كان المقام مقام شك في انطباق عنوان الشعيرة على مثل هكذا عمل، إثبات شعيريته حينئذ بالآية يكون من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية. أما عندما نقرر بأن انطباق عنوان طاعة الله تعالى، وعد مجالس الزهراء دليل من أدلة عظمة الله عز وجل، مما يوجب تقوية دين الله تعالى، مما يوجب الدلالة على الله عز وجل؛ بحيث ينطبق هذا كله على مجالس إحياء شهادة مولاة الزهراء عليها أفضل الصلاة والسلام مثلاً، فلا يكون المورد من صغريات التمسك بالعام. لأن المفروض أن مجالس إحياء شهادة الصديقة فاطمة مصداق لجميع ما ذكر بياناً وتعريفاً لحقيقة الشعيرة، ومن ثم يترتب الأثر.

ثالثاً: مناقشة إشكال إجمال الحكم

تقريب الإشكال أن يقال هكذا: بعد التسليم بوضوح الموضوع في الآية القرآنية، وأن المقصود من الشعيرة فيها عبارة عن العلامة الدالة على الله سبحانه وتعالى، ولنسلم بأن هذا الموضوع من الأمور الجلية الواضحة والتي لا تحتاج مزيد بيان؛ إلا أن الحكم في الآية القرآنية مجمل: (ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ).

فقد قررنا فيما مضى أن مقتضى هذا التعبير البناء على وجوب تعظيم كل شعيرة شعيرة، ومقتضى ذلك أن الآية القرآنية تحكم بوجوب تعظيم كافة الشعائر من دون فارق بين شعيرة وأخرى. هذا المعنى (الحكم بوجوب تعظيم كافة الشعائر) يُدعى أن فيه إجمالاً بهذا البيان.

رأي المحقق النراقي في الإجمال

يقول صاحب الإشكال الثاني (المحقق النراقي): يصعب البناء على دلالة الآية القرآنية على وجوب تعظيم كل شعيرة شعيرة من الشعائر من دون فرق بين شعيرة وأخرى، بل إن أقصى ما يُستفاد من الآية القرآنية دلالتها على رجحان تعظيم كل شعيرة شعيرة، من دون فرق بين شعيرة وأخرى.

أما إثبات وجوب تعظيم كل شعيرة شعيرة من الشعائر، أو إثبات وجوب تعظيم شعيرة ما من الشعائر، فإنه يحتاج دليلاً خاصاً على ذلك. وذلك لما قرروه في محله من أن: (الأمر بالمطلق لا يدل على وجوب جميع أفراده، وإنما يدل على العنوان العام في الجملة لا بالجملة). خصوصاً وأن الآية القرآنية ليست في مقام البيان لجميع أفراد الشعائر، بل هي في مقام إثبات وجوب التعظيم في الجملة لا بالجملة.

وعليه: إن إثبات وجوب تعظيم أي شعيرة يتوقف على ملاحظة دليلها:

  • فإن كان دليلها تاماً (مثلاً نص خاص دل على استحباب البكاء) فهذا يدل على وجوب التعظيم.
  • أو قام الإجماع (مثلاً انعقد إجماع علماء الطائفة على استحباب العمل الكذائي) فحينئذ يُبنى على أن المقام مقام شعيرة.
  • أو الارتكاز المتشرعي (مثلاً لا يوجد عندنا دليل على لبس الثياب السود، لكن ارتكاز المتشرعة قائم على لبس الثياب السود) فهذا دل على شعيرية لبس الثياب السود.

إذن لابد من أن يكون لكل شعيرة شعيرة دليلها الخاص، إما أن يكون دليلاً لفظياً أو أن يكون دليلاً لبياً من إجماع أو ارتكاز متشرعي حتى يترتب عليه الأثر.

المناقشة: الإطلاق لا العموم

حاصل إشكال المحقق النراقي هو هذا: أن في البين إجمالاً، وما دام في البين إجمالاً لا يستفاد من الآية القرآنية عاماً فوقياً يدل على وجوب تعظيم كل شعيرة شعيرة. والظاهر أن ملاحظة مناسبة الحكم والموضوع تساعد على الالتزام باستحباب جميع أفراد الشعائر الإلهية لنسبتها لله تعالى، بل قد حُكي على ذلك الإجماع. أما إثبات وجوب تعظيم جميع الشعائر الإلهية كافة فهذا يفتقر إلى الدليل.

إذن نعود إلى التالي: الآية القرآنية ليست دالة على الوجوب للإجمال. أقصى ما نستفيده أن الآية تدل على وجوب تعظيم الشعائر في الجملة، بمعنى ليس كل شعيرة شعيرة.

وقد أجاب بعض فضلاء العصر -وفقه الله- عن هذا الإشكال بجوابين:

  • الجواب الأول: قد ثبت في الأصول أن تعلق الأمر بالطبيعة يسري إلى أفرادها، لوضوح أن وجود الطبيعة بوجود أفرادها، بل بوجود أول فرد من أفرادها. ولهذا قالوا بوجوب جميع أفراد الصلاة إلا ما دل الدليل على خلافه. فحكموا بطهارة جميع أفراد الماء، وحكموا كذلك بحرمة جميع أفراد غير المذكى نظراً لتعلق الحكم في جميع هذه الأمثلة بالطبائع، وقد سرى الحكم الثابت للطبيعة إلى جميع أفراد الطبيعة.
  • الجواب الثاني: بعد التسليم بعدم دلالة الآية القرآنية على وجوب تعظيم جميع الشعائر الإلهية لوجود إجمال في الحكم بعد وضوح الموضوع، إلا أن ذلك لا يمنع من الاستدلال بالآية المباركة. وذلك لأن الغرض من الاستناد إلى الآية والاستدلال بها إثبات أمرين: الأول أن تعظيم الشعائر قضية شرعية، والثاني أن تعظيم الشعائر أمر مطلوب شرعاً.
التمرير إلى الأعلى