عنوان الدرس:

الدرس 15

اسم الأستاذ:

الشيخ محمد العبيدان

اسم الدورة: فقه الشعائر الحسينية - 2024-2025
تسلسل الدرس 15
تاريخ الدرس 29/09/2024
بسم الله الرحمن الرحيم
00:00 --:--

بحث دلالة آية تعظيم الشعائر بين العموم والخصوص ومناقشة الأقوال

لا زال كلامنا في الحديث حول دلالة قوله تعالى: (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ)، وقد كان حديثنا فعلاً في الإجابات التي ذكرها الفاضل المعاصر -دام موفقاً- عن القرائن الأربع التي ذكرها الشيخ النراقي -قدس سره الشريف- لمنع دلالة الآية القرآنية على العموم. وقد تقدم منا عرض جوابه عن القرينة الأولى، وعرض جوابنا عن ذلك الجواب وبيان عدم تمامية ما أفاد.

خلاصة القرينة الثانية للمحقق النراقي

الكلام فعلاً في جوابه -دام موفقاً- عن القرينة الثانية، ولا بأس بالإشارة لمضمون القرينة الثانية بصورة سريعة ثم بيان جواب الفاضل المعاصر -وفقه الله-. قال الفاضل النراقي -قدس الله تربته الطاهرة- بأن الإضافة في قوله سبحانه وتعالى: (شَعَائِرَ اللَّهِ) إضافة تشريفية. بالتالي لما كانت الإضافة تشريفية لابد من أن نعمد إلى التقدير، والمقدر يحتمل فيه أكثر من احتمال؛ فقد يكون المقدر (دين الله) فيكون المقصود شعائر الله يعني دين الله، ويحتمل أن يكون (طاعة الله)، ويحتمل أن يكون (عبادة الله)، ويحتمل غير ذلك، بل يحتمل أن تكون العبادة المخصوصة وهي (الحج).

ومن الواضح أن النتائج المترتبة سوف تكون مختلفة وفقاً لكل واحد من المحتملات، والثمرة المترتبة على ذلك أيضاً ستكون كبيرة. فلو بنينا على أن المقدر هو (دين الله) أمكن أن نستفيد العموم من دلالة الآية القرآنية. أما لو بنينا على الاحتمال الثاني أو الاحتمال الثالث من المحتملات المذكورة، فإن الآية القرآنية سوف تكون مختصة بالعبادات الشرعية، فتخرج خروجاً تخصصياً عن موضوع الشعائر؛ لأن الشعائر من الواجبات التوصلية، والمفروض أن موضوع الآية سيكون عبارة عن العبادات الشرعية، وفرق بين الأمور التعبدية والأمور التوصلية ما يجعل الآية القرآنية أجنبية تماماً.

مناقشة الفاضل المعاصر والرد عليها

الفاضل المعاصر -دام موفقاً- أجاب عن هذين الأمرين. أما الأمر الأول وهو أن وجود المحتملات المقدرة تمنع من التمسك بعموم الآية القرآنية، أجاب عن ذلك بالتالي: قال بأن مجرد وجود محتملات متعددة مقدرة لا توجب تخصيص دلالة الآية القرآنية عن العموم، وإنما سوف نتمسك بأصالة العموم؛ لأن احتمال التخصيص بالمقدر ضعيف، وبالتالي لا يمنع من التمسك بظهور العام في العموم.

ونقول تعليقاً على ذلك: كبروياً ما ذكره تام، إنما الكلام في الصغرى (أي المقام)، فهل نحن نشك في وجود مخصص يمنع من التمسك بالعموم أو لا؟ نحن لا نشك. المدعى أنه لا يشك في وجود المخصص في الفرض وفقاً لكلام المحقق النراقي، بل مدعى المحقق النراقي أن المخصص موجود جزماً لكون الإضافة في الآية إضافة تشريفية، وما دامت الإضافة في الآية إضافة تشريفية وليست حقيقية فهذا يستدعي ضرورة وجود المقدر الذي يكون مضافاً لله تعالى حقيقة. ما يعني أن المخصص موجود حتماً وليس مشكوكاً حتى يتمسك بأصالة العموم ولا ترفع اليد عنه.

البحث في التعبدية والتوصلية في الشعائر

أجاب الفاضل المعاصر عن الأمر الثاني، وهو أن الشعائر من الأمور التوصلية، فمنع كون الشعائر من الأمور التوصلية وادعى أن الشعائر من الأمور التعبدية، وقال بأن القول بأن الشعائر أمور توصلية دعوى غير سديدة. والسر في ذلك قال: بأن المحقق النراقي أصابه شيء من وهم حيث تصور أن الأمور التعبدية منحصرة في خصوص ما يكون مشروطاً بقصد القربة، والأمر ليس كذلك؛ فإن الأمور التعبدية لا تنحصر في خصوص ما يكون مشروطاً بقصد القربة، بل يشمل أيضاً الأعمال التي يؤتى بها بقصد المحبوبية الشرعية رغبة في تحصيل الثواب وحصول القرب من الله تعالى، ومثل لذلك بصلة الرحم وبعقد النكاح.

بناءً عليه قرر التالي: بأن الموجود في كلمات الأصوليين من تصنيف الأمور إلى أمرين (إلى أوامر تعبدية وأوامر توصلية) في غير محله؛ لأن الاستقراء الخارجي يفيد أن الموجود ثلاثة:

  • أوامر تعبدية محضة (مثل الصلاة).
  • أوامر توصلية محضة (مثل تطهير الثوب).
  • وأوامر برزخية (أوامر عبادية).

وهناك ما يكون متوسطاً بين التعبدية والتوصلية لأنه يحمل صفات التوصلية والتعبدية، قال ولنسمه بـ (الأمر العبادي). تعظيم الشعائر من الأمر الثالث الذي يكون مشتملاً على الأمرين فنسميه بالأمر العبادي، فإذن ليست الشعائر أموراً توصلية كما قرر صاحب العوائد.

التحقيق المختار في المسألة

يلاحظ عليه: بأن البناء على ثلاثية التقسيم لا تخرج عن كونها مجرد دعوى عهدتها على مدعيها غير مبرهنة. ذلك أننا لا نجد فرقاً بين القسم الثالث والقسم الأول (التوصلية المحضة)؛ فإن تطهير الثوب مثلاً كما يمكن أن يقع من دون قصد الحصول على الثواب، يمكن أن يقع بغرض الحصول على الثواب والتقرب لله عز وجل والقرب منه، كما لو عمد المكلف مثلاً لتطهير الثوب امتثالاً لأمر المولى تعالى؛ لأن طهارته مقدمة لإيقاع الصلاة فيه وامتثال الواجب، فسيكون أمراً عبادياً (من القسم الثالث) وليس أمراً توصلياً (من القسم الأول).

كذا أيضاً ما جعله مشتملاً على شبهة العبادية وهو النكاح، فقال بأن فيه جنبة عبادية بأن الناس يقدمون على عقد النكاح رغبة في الحصول على الثواب. نحن نقول أيضاً بأن المكلف قد يعمد إلى النكاح بعيداً عن ترتب الثواب عليه، كما لو كان غرضه -وهذا عند غالب الناس- مجرد إطفاء شهوته وإشباع غريزته الحيوانية، من دون أن يكون ملتفتاً إلى أنه يعمل النكاح لغرض أن يكثر ذكر (لا إله الا الله) أو أن يزيد عدد المسلمين.

وهذا يكشف عن تمامية الثنائية في التقسيم والتي تضمنتها كلمات علماء الأصول، من أنه إما أمر توصلي محض وإما أمر تعبدي محض، ولا يوجد قسم ثالث. وعليه، فإن مجرد الإتيان بالعمل لغرض تحصيل الثواب ورجاء القرب من الله سبحانه وتعالى لا يخرج الأمر عن كونه توصلياً كما عرفت في تطهير الثوب أو في عقد النكاح وما شابه. وهذا يوجب تمامية ما أفاده المحقق النراقي -قدس سره- إذ لن يكون المقدر هو طاعة الله لأن طاعة الله أمر تعبدي، ولن يكون المقدر هو عبادة الله لأن عبادة الله أمر تعبدي. فيتعين الاحتمال الرابع في الآية القرآنية وهو (الحج)، فيتم ما أفاده الفاضل النراقي -قدس سره- من منع دلالة الآية القرآنية على العموم.

الخاتمة: دلالة السياق والروايات

يساعد على ما ذكرنا -من حمل الآية القرآنية على المحتمل الرابع وهو قضية الحج فيكون المقدر شعائر الحج- النصوص التي تضمنت تفسير الآية القرآنية بمناسك الحج. الفاضل المعاصر قال بأن النصوص المذكورة لا تصلح لأن تكون قرينة على تعين المحتمل الرابع في التقدير (وهو المناسك)؛ لأنها محمولة على المصداق لا على البيان والتفسير، وجعل النصوص المذكورة من صغريات قاعدة الجري والتطبيق.

ولكننا بعد مراجعة الروايات، نجد خلاف ذلك. ففي صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إِذَا رَمَيْتَ الْجَمْرَةَ فَاشْتَرِ هَدْيَكَ إِنْ كَانَ مِنَ الْبُدْنِ أَوِ الْبَقَرِ… وَعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ). يقول الفاضل المعاصر: (وعظم شعائر الله) تضمن صيغة الأمر وهي تدل على الوجوب كما أنه ظاهر في أنه كبرى كلية طبقت على مصاديقها. بينما الذي أفهمه أنا من النص خلاف ذلك؛ أستقرب أن الرواية من الروايات البيانية التفسيرية لا الروايات المصداقية، وأفهم من الآية أن قوله (عظم شعائر الله) كبرى، إلا أنها كبرى (مناسك الحج) لا كبرى الشعائر مطلقاً، وما ذكر مصاديق لهذه الكبرى وهي مناسك الحج. فتكون الآية القرآنية تفسيرية بيانية لبيان أن المقصود من الشعائر فيها شعائر الحج (ليس إلا)، وبالتالي تكون الرواية صالحة لكلام الفاضل النراقي لا لكلام الفاضل المعاصر.

التمرير إلى الأعلى