تحقيق دلالة آية الشعائر: مناقشة لغوية وأصولية بين الخصوص والعموم
بسم الله الرحمن الرحيم. قد عرفت فيما تقدم الجواب عما أفاده الفاضل النراقي (قدس الله تربته الطاهرة) من عدم صلاحية دلالة الآية القرآنية؛ فإن الفاضل النراقي منع صلاحية دلالة الآية القرآنية على إفادة العموم، وقال بأن موضوعها وخصوص مناسك الحج أو أعلام الحج ببيان مضى.
والنتيجة: قرر الفاضل النراقي (قدس الله تربته الطاهرة) أن هناك قرائن أربع تحول دون حمل الآية القرآنية على العموم. كانت القرينة الأولى: أن مفردة (شعائر) جمع كلمة (شعيرة)، وهذا يجعلها مختصة بمناسك الحج. نعم، لو بُني على أن مفردة (شعائر) جمعٌ لكلمة (شِعار) أمكن البناء على دلالتها على العموم. مع عدم ترجح أحد الاحتمالين على الآخر، فالآية القرآنية مجملة لا تصلح للدلالة على المطلوب.
الرد على اعتراض الفاضل النراقي
أجاب الفاضل المعاصر عن ذلك بالتالي: قال بأننا نلتزم بوجود مفهوم جامع لمفردة الشعائر، وهو (كل ما يُشعِر بالشيء)، فيكون إطلاق لفظ الشعيرة على العلامة مخصوصاً بما إذا أريد منها العلامة الخاصة التي تشعر بالمقصود وتكون دالة عليه، وبالتالي ترتب الأثر. وحاصل جواب الفاضل المعاصر: بانه لا يوجد في المقام إجمال؛ لأنه سواء فسرت مفردة الشعائر بأنها جمع كلمة (شِعار)، أم فسرت مفردة الشعائر بأنها جمع كلمة (شعيرة)، يهمنا في المقام وجود الجامع، وما دام الجامع موجوداً فبالتالي يترتب الأثر وتصح دلالة الآية القرآنية على العموم.
المناقشة اللغوية ودلالة مفردة الشعائر
هذا الجواب يمكن الملاحظة عليه؛ فإنه أولاً مغاير أو خلاف ما يستفاد من كلمات علماء اللغة؛ فإن المراجع لكلماتهم يقف على خلاف ما ذُكر. وحتى يتضح ما ذُكر أشير لبعض الكلمات. أنقل أولاً النتيجة التي انتهى إليها السيد المصطفوي (رضي الله تعالى عنه) في كتابه في مادة (شعر):
(وأما الشعائر لله، فالشعيرة فعيلة بمعنى ما يدرك باللطف والدقة حول عظمته وجلاله وسلطانه، وما يرتبط بظهور أمره. ثم قال: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) لا تحلوا شعائر الله، (وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ)، ذلك ومن يعظم شعائر الله. فموضوعات البُدن والصفا والمروة وما يتعلق بها مما يدرك دقيقاً حول عظمة الله تعالى، ومن لطائف جلاله المحسوسة المتجلية الظاهرة…)
ف يصح لنا أن نفسر الشعائر بأنها علائم لطيفة وآيات دقيقة وشواهد رقيقة تدرك حول مقاماته وكبريائه وعظمته. هذا ما يفيده الفاضل المصطفوي (رضي الله تعالى عنه)، وهو ظاهر بنحو أو بآخر في بيان العموم في المقام.
أقوال أئمة اللغة في المادة
تعالوا نرجع إلى أصل الكلمات الواردة عند علماء اللغة، أبدأ بالخليل بن أحمد الفراهيدي، ثم بعد ذلك أنقل كلام ابن فارس، وأختم المقام بعرض كلام الجوهري في كتابه (الصحاح):
قال الخليل بن أحمد الفراهيدي: (والمشعر موضع المنسك من مشاعر الحج، من قول الله: (فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ)، وكذلك الشِعارة من شعائر الحج، وشعائر الله مناسك الحج أي علاماته. والشعيرة من شعائر الحج وهي أعمال الحج من السعي والطواف والذبائح، كل ذلك شعائر الحج. والشعيرة أيضاً البُدنة التي تهدى إلى بيت الله، وجُمعت على الشعائر. تقول: قد أشعرت هذه البُدنة لله نُسُكا، أي جعلتها شعيرة تهدى. ويقال إشعارها أن يُجأ أصل سنامها بسكين فيسيل الدم على جنبها فيعرف أنها بدنة هدي).
ما يهمنا من عبارة الخليل بن أحمد الفراهيدي دلالتها على أمرين تضمنتهما:
- الأمر الأول: أن المقصود من شعائر الله هو مناسك الله، لاحظوا قال: (وشعائر الله مناسك الحج)، فإذن فسر الشعائر بمناسك الحج.
- الأمر الثاني: أن كلمة (شعائر) جمع كلمة (شعيرة) وليست جمع كلمة (شِعار)، وهذا عين ما قرره الفاضل النراقي.
تعالوا إلى ابن فارس في (معجم مقاييس اللغة)، وله كلام طويل جدا في المقام، قال في مادة (شعر): (الشين والعين والراء أصلان معروفان، يدل أحدهما على ثبات، والآخر على علم وعلم… ومشاعر الحج مواضع المناسك، سميت بذلك لأنها معالم الحج. والشعيرة واحدة الشعائر وهي أعلام الحج وأعماله، قال الله جل جلاله: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ)، ويقال الشعيرة أيضاً البُدنة تهدى).
ما يهمنا في كلام ابن فارس هو أنه قد أشار إلى أمرين:
- الأمر الأول: أن كلمة (شعيرة) تُجمع على كلمة (شعائر).
- الأمر الثاني: أن كلمة (شعائر) جمع لكلمة (شعيرة).
أيضاً أشار إلى أن المقصود من المشاعر مشاعر الحج. نعم، يمكن التأمل في هذا الجانب، يكفينا الأمر الأول.
خلاصة البحث اللغوي وأثر السياق
ختاماً نلاحظ ما جاء في (الصحاح)، ذكر ما يفيد سعة دائرة مفهوم الشعائر وأن الشعائر ليس منحصراً في خصوص مناسك الحج، بل يشمل كل ما جعل علماً لطاعة الله سبحانه وتعالى، قال: (والشعائر أعمال الحج، وكل ما جعل علماً لطاعة الله تعالى).
قال الأصمعي: (الواحد: شعيرة، وقال بعضهم: شِعارة. والمشاعر: المناسك. والمشعر الحرام أحد المشاعر…). إذن أشار إلى أن الشعائر جمع (شِعار) أو (شعيرة)، نص على الثاني دون الأول.
لو دققنا فيها، سنجد أن كلام الخليل بن أحمد وكلام ابن فارس يؤكدان على عدم سعة مفهوم كلمة الشعائر، وأن المقصود بها عبارة عن مناسك الحج أو أعلام الحج كما سمعت. نعم، لو ترددنا بين كون مفردة الشعائر جمعاً لكلمة (شِعار) وبين كونها جمعاً لكلمة (شعيرة)، فعندها يحول الأمر إلى الإجمال.
تعقيب منهجي
الأقرب في المقام أن تجعل كلمة (شعائر) جمعاً لكلمة (شعيرة) التي هي بمعنى العلامة والرمز؛ لأنها الأنسب بما يراد من معنى الشعائر ما يجعل تفسيرها بذلك قرينة مانعة من سعة مفهوم الشعائر وشموله لكل ما يُشعر بالله سبحانه وتعالى.
إن مقتضى جواب الفاضل المعاصر دام موفقاً وجود احتمالين في مفردة الآية: احتمال أن تكون مفردة الشعائر عنواناً خاصاً، واحتمال أن تكون عنواناً عاماً. والإنصاف أن الترجيح لأحد الاحتمالين على الآخر يتوقف على وجود الدليل الموجب للترجح، والدليل يصف مع الفاضل النراقي (قدس الله تربته) لا مع الفاضل المعاصر؛ فإن الأمور الثلاثة التي ذكرناها دعماً لمقولة الفاضل النراقي تصلح أن تكون دليلاً (متابعة الاستعمال القرآني لمفردة الشعيرة، ملاحظة كلمات المفسرين، ملاحظة الروايات التفسيرية).
وليس في المقام ما يشير من قريب أو بعيد على ترجح الاحتمال الثاني (التعميم) إلا إذا تمسك الشيخ موسى بكلام أستاذنا الشيخ مكارم (أطال الله في عمره) في تفسير الآية، فقد ذكر هناك أن المقصود من الآية هو المعنى العام وليس المقصود من الآية المعنى الخاص، فليراجع كلامه.