عنوان الدرس:

الدرس 13

اسم الأستاذ:

الشيخ محمد العبيدان

اسم الدورة: فقه الشعائر الحسينية - 2024-2025
تسلسل الدرس 13
تاريخ الدرس 11/09/2024
بسم الله الرحمن الرحيم
00:00 --:--

بحث دلالة آية تعظيم الشعائر ومناقشة إشكالات المحقق النراقي

بسم الله الرحمن الرحيم. انتهينا فيما مضى من عرض الإشكال الأول على دلالة الآية القرآنية وهي قوله تعالى: (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ). وقد كان الإشكال للمحقق النراقي بذكر قرائن أربع تحول دون دلالة الآية القرآنية على العموم.

وقد عرضنا جواباً لبعض فضلاء العصر عن القرائن الثلاث الأول، آخرها كان الجواب عن قرينة وحدة السياق، وقد أشرنا إلى أمر مفصل. خلاصة ما ذكرناه فيما مضى أن الاستناد لوحدة السياق مشروط بتوفر شروط ثلاثة؛ ما لم تكن الشروط الثلاثة متوفرة لا يمكن التمسك بوحدة السياق.

شروط التمسك بوحدة السياق

ذكر الأستاذ الشروط الثلاثة وهي:

1. الشرط الأول: الالتزام بأن ترتيب آيات السورة الواحدة وحياني توقيفي.
2. الشرط الثاني: وجود وحدة موضوعية بين الآيات القرآنية بعضها مع بعض.
3. الشرط الثالث والأخير: وهو أن يكون مدلول الآيات القرآنية بيان مفهوم لا بيان مصداق، إذ لو كان مدلول الآيات القرآنية بيان مصداق لن يكون مجال للتمسك بالسياق حينئذ.

الإشكال الثاني: نوع الحكم المستفاد (الوجوب أم الاستحباب)

أشكل ثانياً على دلالة الآية القرآنية، وإن كان الإشكال في المقام ليس إشكالاً مرتبطاً بالعموم وعدمه، وإن شئت قل هناك إشكالان يستفادا من كلمات الفاضل النراقي (يا شيخ زكي):

1. الإشكال المرتبط بعموم الشعائر

الإشكال الأول يرتبط بمسألة دلالة الآية القرآنية لتفيد البناء على عموم الشعائر الإلهية أو خصوص شعائر معينة، وهذا ما كان الحديث عنه فيما مضى.

2. الإشكال المرتبط بنوع الحكم (المدلول)

الإشكال الثاني: دعونا نرفع اليد عن الأمر الأول، ولنسلم بأن كلمة (شعائر) في الآية جمع يفيد مطلق الشعائر الدينية من دون فرق بين شعيرة وشعيرة، وهو مفهوم ينطوي تحته مصاديق متعددة. لكن مدلول الآية القرآنية ما هو؟

هل هو وجوب تعظيم الشعائر الإلهية؟ أو أن مدلول الآية القرآنية استحباب تعظيم الشعائر الإلهية؟ أو أن مدلول الآية القرآنية الإباحة؟ هذا ما يشكل به المحقق النراقي (قدس سره) ثانياً في دلالة الآية.

فيشير إلى أنه بعد البناء والتسليم على استفادة العموم من الآية القرآنية وتفسير الشعائر فيها بكل ما يشعر بالدين، إلا أننا لا نسلم دلالتها على وجوب تعظيم كل الشعائر الإلهية. يعني لا يستفاد من الآية عموم الحكم لجميع أفراد الشعائر لتكون دالة على وجوب تعظيم الشعائر.

أقصى ما يستفاد من الآية هو الرجحان؛ رجحان تعظيم الشعائر الدينية. نعم قد يكون بعض الشعائر الدينية يجب تعظيمه، لكن بطريق آخر. لو كنا والآية القرآنية لم يستفد من الآية القرآنية وجوب تعظيم كل شعيرة شعيرة.

مناقشة الإشكال وتحليله

يقول المحقق النراقي: بأن الآية القرآنية ليست في مقام بيان تعظيم جميع أفراد الشعائر، وإنما هي بصدد إثبات الوجوب في الجملة لبعض الشعائر دون الكل. فيجب في كل شعيرة شعيرة الرجوع إلى دليلها الخاص، أو الرجوع إلى الإجماع، أو التمسك بارتكاز أو سيرة المتشرعة، وأمثال ذلك من أدلة سواء كانت الدليل لفظياً أم كان الدليل لبياً.

عليه ستكون الآية القرآنية مجملة من حيث الحكم بعيداً عن إجمالها عن الموضوع. سلمنا أن الموضوع فيها ليس مجملاً لدلالتها على تعظيم كل شعيرة من شعائر الدين أو تشعر بالدين، لكن الحكم وهو وجوب التعظيم مجمل، فلا نحرز أن المطلوب هو وجوب تعظيم كل شعيرة شعيرة. وإنما أقصى ما يستفاد من الآية رجحان تعظيم عموم الشعائر، وإثبات الوجوب لكل شعيرة شعيرة يحتاج دليلاً، ومن ثم لا يرتب الأثر.

بكلمة مختصرة: الأمر بالمطلق لا يدل على وجوب جميع الأفراد، وإنما يدل على وجوب بعض الأفراد دون الجميع.

دلالة الآية على الاستحباب العام

بل يمكن أن ندعي بأن أقصى ما تدل عليه الآية هو استحباب تعظيم جميع أفراد الشعائر الإلهية بعد البناء على نسبتها لله عز وجل، ويساعد على ذلك مناسبة الحكم والموضوع.

دعونا أن هناك بعض الشعائر واجبة، لكن بعض الشعائر التي تشعر بالدين يقيناً مستحبة. مثلاً: من الشعائر التي تشعر بالدين الاعتمار (زيارة بيت الله الحرام لأداء العمرة في غير أشهر الحج)، هل يفتي أحد بأنها واجبة؟ هذه مستحبة، لكن أليس الذهاب إلى بيت الله الحرام معتمراً مما يشعر بالدين ومما فيه تعظيم؟

كذلك زيارة المرقد الطاهر لسيدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) والطاهرة فاطمة (عليها السلام) وأئمة البقيع (صلوات الله عليهم)، ألا يعد من المستحبات؟ أليس أمراً مشعراً بالدين؟ أليس فيه تعظيم للدين؟ أيقول أحد بأن الزيارة واجبة؟ زيارة المولى أمير المؤمنين، زيارة المولى الحسين، كلها مما يشعر بالدين ومما ينطوي على تعظيم للدين، مع أنه لا يقول أحد بأنها واجبة.

إذن مقتضى مناسبة الحكم والموضوع تستدعي أن يكون مدلول الآية القرآنية هو استحباب تعظيم الشعائر، فتشكل مناسبة الحكم والموضوع قرينة خارجية لحمل الآية على خلاف ظاهرها والبناء على أن أقصى ما تفيده هو استحباب تعظيم جميع أفراد الشعائر.

الجواب الأول عن الإشكال: سريان الأمر بالطبيعة إلى الأفراد

أجيب عن هذا الإشكال بجوابين، ذكر بعض فضلاء العصر بعدم صلاحية هذا الإشكال للمنع.

الجواب الأول: قد ثبت في الأصول أن الأمر إذا تعلق بالطبيعة سرى إلى كافة الأفراد، وذلك لما هو معلوم عندنا من أن الطبيعة توجد بوجود أفرادها. الإنسان طبيعة، هل للإنسان وجود خارجي مستقل عن وجود الأفراد؟ لا، الطبيعة توجد بوجود أفرادها.

وبالتالي يلتزمون بأن الأمر الذي يكون متعلقاً بالطبيعة سوف يسري حينئذ إلى جميع أفرادها. ومن هنا قالوا بأن الصلاة الواجبة، الوجوب سارٍ إلى جميع أفراد الصلاة. عندما قال تعالى: (أَقِمِ الصَّلَاةَ) دلت على أن الصلاة واجبة، وهذه طبيعة، فالطبيعة سوف تسري إلى جميع الأفراد. مقتضى أن الصلاة واجبة البناء على عدم الفرق بين فرد وفرد من أفراد الصلاة، فلا يوجد عندنا صلاة مستحبة، إلا إذا قام الدليل على الاستثناء.

إذن المقرر في علم الأصول أن الأمر يتعلق بالطبيعة، فإذا كان الأمر متعلقاً بالطبيعة استوجب ذلك سراية الحكم الثابت للطبيعة إلى جميع الأفراد.

الجواب الثاني: إثبات القضية الشرعية

سلمنا بأن الآية القرآنية ليست دالة دلالة واضحة على وجوب تعظيم جميع الشعائر، لكننا نقول: هنا أمران ينبغي الالتفات إليهما:

1. أن تعظيم الشعائر الدينية قضية شرعية وليست قضية ناجمة من ابتداع الناس. القرآن الكريم هو الذي أسس إليها وأثبتها، وهذا مقتضى دلالة قوله تعالى: (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ).

2. ما دام تعظيم الشعائر قضية شرعية، إذن يثبت أن تعظيمها أمر مطلوب للشارع المقدس. لأن كل أمر يتصف بصفة الشرعية (أي صادر من الشارع تأسيساً وتأصيلاً أو ممضى منه) يكون محبوباً للشارع المقدس، ومقتضى محبوبيته أن الشارع المقدس يحث على إيجاده وفعله.

فالزواج مثلاً، ليس أمراً تأسيسياً شرعاً بل إمضاء لما عليه العقلاء، هذا الإمضاء الشرعي أكسبه بعداً شرعياً بقبوله، فأصبح محبوباً له ويندب إليه. مقامنا من هذا القبيل، ما دمنا نقرر بأن تعظيم الشعائر قضية شرعية، إذن يثبت أن تعظيمها أمر مطلوب.

إذن ننتهي إلى أن الآية القرآنية إما دالة على وجوب تعظيم الشعائر الدينية بقول مطلق (بناء على سريان حكم الطبيعة للأفراد)، أو لا أقل بأن تعظيم الشعائر مستحب، أو لا أقل بأن هذا مما دعا الشارع المقدس إليه.

 

التمرير إلى الأعلى