عنوان الدرس:

الدرس 12

اسم الأستاذ:

الشيخ محمد العبيدان

اسم الدورة: فقه الشعائر الحسينية - 2024-2025
تسلسل الدرس 12
تاريخ الدرس 10/09/2024
بسم الله الرحمن الرحيم
00:00 --:--

مناقشة حجية قرينة وحدة السياق والفرق بين المورد والسياق

بسم الله الرحمن الرحيم، كان كلامنا فيما تقدم حول ما أجاب به الفاضل المعاصر دام موفقاً عن القرينة الثالثة من القرائن التي تمسك بها المحقق النراقي (قدس سره) وهي وحدة السياق. وقد عرفنا فيما مضى أن الفاضل المعاصر قد أجاب بجوابين:

الأول منهما: جواب الكبروي، مفاده إنكار الاستناد إلى وحدة السياق أو منع التمسك بوحدة السياق كقرينة يعول عليها في المقام.

شروط التمسك بوحدة السياق

وقد أضفنا في البحث الماضي زيادة بيان، فقلنا لقائل أن يقول بأن الاستناد إلى وحدة السياق معلق على توفر شرطين أشرنا إليهما:

الشرط الأول: أن يكون الترتيب بين الآيات في السورة الواحدة وحياني توقيفي، فما لم يكن كذلك يصعب البناء حينئذ على الالتزام بوحدة السياق.

الشرط الثاني: الاستناد إلى الارتباط المضموني.

طبعاً للإنصاف ما وجدت من خلال متابعتي كلمات الأعلام من أشار إلى الشرط الثاني أو ركز عليه، أعني الارتباط المضموني، وإنما ظاهر كلمات الأعلام والإشارة فقط إلى الأول منهما وهو أن يكون الترتيب وحيانياً توقيفياً. نعم في كلمات السيد الأستاذ دام موفقاً والذي حكيناه في البحث الماضي قد ذكر الوحدة المضمونية بهذا المعنى، نقلاً عن السيد الطباطبائي (أعلى الله في الخلد مقامه).

إشكال الترتيب بين الآيات

طبعاً بناءً على اعتبار الاصلين المذكورين، قلنا بانه يمكن لأحد أن يستشكل على (سيد الميزان قدس الله تربته)، وهو الذي لا يقول بأن الترتيب بين الآيات في السورة الواحدة ترتيب توقيفي وحياني ولو بنحو السالبة الموجبة، بحيث يمكن أن يقال بالإشكال على (السيد الطباطبائي قدس الله تربته الطاهرة). فلا يجد الإنسان في تفسيره ما يشير إلى هذا المعنى، مع أن الموجود هو يلتزم بانه الترتيب ليس وحيانياً توقيفياً، مع أن من يرجع إلى تفسيره يجده في مواضع كثيرة يستدل بالسياق دون مع عدم بنائه على توفر الأمر الأول.

ولذا لابد من الالتفات إلى هذه النقطة، فهل أن (السيد الطباطبائي) ذكر ذلك على نحو النظرية وفي مقام التطبيق لا سمح الله غفل؟ أو ما ذكرناه في البحث الماضي من أن (السيد الطباطبائي قدس الله تربته الطاهرة) لا يعتبر هذا الأمر ببيان أو بنحو أشرت له فيما مضى.

فقط استكمالاً لما مضى، أشار أحد الأحبة في أثناء البحث الماضي إلى أن ترتيب القرآن الكريم بالنسبة للآيات الكريمة ترتيب وحياني توقيفي بمصحف أمير المؤمنين (علي عليه السلام)، وقد أجبت عن ذلك فيما مضى ومن خلال بيان حقيقة مصحف أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه).

حقيقة مصحف أمير المؤمنين (عليه السلام) والجمع القرآني

ولا بأس بتأكيد ما ذكرت بملاحظة ما تضمنته كلمات أعلام الطائفة في المقام. سوف أنقل في المقام شيئاً مما ورد في كلماتهم وهي منقولة من كتاب جمع القرآن إلى السيد علي الشهرستاني. للإنصاف السيد علي الشهرستاني عند دراسة في جمع القرآن في مجلدين وهو كتاب جيد ودراسة نافعة ومفيدة، نعم يمكن أن يلاحظ عليها أمر، أن هذه الدراسة التي قدمها السيد الشهرستاني وفقه الله تعرضت إلى أصل فكرة جمع القرآن الكريم دون تعرض منها للجزئيات.

بعض كلمات علماء الطائفة في بيان المقصود من قرآن أمير المؤمنين:

الشيخ المفيد رحمه الله في المسائل السروية: (وقد جمع أمير المؤمنين المنزل من أوله إلى آخره وألفه بحسب ما وجب من تأليفه، فقدم المكي على المدني والمنسوخ على الناسخ ووضع كل شيء منه في محله).

الشيخ البلاغي في آلاء الرحمن: (من المعلوم عند الشيعة أن علياً أمير المؤمنين بعد وفاة رسول الله لم يرتد برداء إلا للصلاة حتى جمع القرآن على ترتيب نزوله وتقديم منسوخه على ناسخه).

السيد شرف الدين في المراجعات: (أول شيء دونه أمير المؤمنين كتاب الله عز وجل، فإنه بعد فراغه من تجهيز النبي آلى على نفسه ألا يرتدي إلا للصلاة أن يجمع القرآن، فجمعه مرتباً على حسب النزول وأشار إلى عامه وخاصه ومطلقه ومقيده ومحكمه ومتشابهه وناسخه ومنسوخه وعزائمه ورخصه).

أيضاً (السيد العلامة الطباطبائي قدس الله تربته الطاهرة) في الميزان تشير إلى هذا المعنى. إذن يتضح من خلال ما ذكر من الكلمات أن مصحف أمير المؤمنين كان يتضمن تقديم المنسوخ على الناسخ، بينما نجد في المصحف الموجود بأيدينا اليوم تقديم الناسخ على المنسوخ، يتضمن تقديم المكي على المدني بينما نجد في المصحف الموجود بأيدينا اليوم تقديم المدني على المكي، وهذه نقطة هي التي كانت تميز مصحف أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه).

مسألة الزيادة والتحريف

أختم هذا الكلام بكلمة لسيدنا الإمام الخوئي (رضي الله تعالى عنه) في كتابه البيان عندما جاء يتحدث عن مسألة التحريف:

(إن وجود الزيادات في مصحف علي عليه السلام وإن كان صحيحاً إلا أن هذه الزيادات ليست من القرآن – فلا يستنكر علينا أحد بأن هذا تحريف – ومما أمر رسول الله صلى الله عليه وآله بتبليغه إلى الأمة، فإن الالتزام بزيادة مصحفه بهذا النوع من الزيادة قول بلا دليل، مضافاً إلى أنه باطل قطعاً ويدل على بطلانه جميع ما تقدم من الأدلة القاطعة على عدم التحريف في القرآن).

الفرق بين وحدة السياق وقاعدة المورد

كان حديثنا في البحث الماضي التأكيد على ضرورة عدم الخلط بين مفاهيم ثلاثة: وحدة السياق، والاستعمال القرآني، وقاعدة (المورد لا يخصص الوارد). وبينا تقريباً المقصود بكل واحد من هذه الأمور الثلاثة. وصلنا إلى أن قاعدة (المورد لا يخصص الوارد) ليست مستفادة من عين ولا أثر وإنما هي متصيدة من بعض النصوص، وقد أسس الأعلام هذه القاعدة التفسيرية وبنوا عليها.

أشير لرواية من تلك النصوص التي تم تصيد هذا اللفظ أو هذا المضمون منها، الرواية في تفسير العياشي عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (أن القرآن حي لم يمت، وأنه يجري ما يجري الليل والنهار، وكما يجري الشمس والقمر، يجري على آخرنا كما يجري على أولنا). هذا التعبير (حي لم يمت) لأنهم يقولون لو كانت الآية مختصة بسبب نزولها لماتت، أيضاً عندما يقول يجري ما يجري الليل والنهار يعني لا زال دائمياً مستمراً.

التطبيق العملي للفرق بين المورد والسياق

يتضح الفرق بينهما من خلال تطبيق ذلك على آية خمس الغنيمة. فإن المورد هو شأن نزول الآية، سبب النزول ما هو؟ غزوة بدر. أما السياق، فإنه مطلق الحرب. غزوة بدر مجرد مصداق من مصاديق ذلك المفهوم وهو الحرب. الفرق بينهما واضح، فإن النسبة بينهما في مثالنا الذي ذكرناه هي نسبة العموم والخصوص المطلق.

المتابع للآيات القرآنية وملاحظة سياقها وما ورد في شأن نزولها يقف على وجود الفرق بين السياق وبين مورد شأن النزول. مثال واضح في هذا الأمر: آية التطهير. عنوان أهل البيت الوارد في آية التطهير مثلاً يباين السياق، فإن سبب نزولها وفقاً لما هو الصحيح ما هو؟ أصحاب الكساء الخمسة (عليهم السلام)، مع أن سياقها (نساء النبي صلى الله عليه وآله)، فنسبة أصحاب الكساء الخمسة إلى نساء النبي (صلى الله عليه وآله) نسبة التباين.

ولهذا لما نرجع إلى مثال الغنيمة، نجد أن المستدلين بالآية (آية غنيمة الحرب) على اختصاص الغنيمة فيها بخصوص غنيمة الحرب ما تمسكوا بقاعدة (المورد لا يخصص الوارد)، وإنما تمسكوا بالسياق. لماذا تمسكوا بالسياق؟ لأنهم لو تمسكوا بقاعدة (المورد لا يخصص الوارد) أوجب ذلك اختصاص الآية القرآنية بخصوص غنائم غزوة بدر، والمفروض أنهم يعتقدون وجوب خمس في كل غنيمة حربية، وهذا إنما ينسجم مع التمسك بالسياق لأنه سيكون بلحاظ المفهوم لا التمسك بالمورد.

هل السياق قرينة دائمة؟

بعد التسليم بإمكانية جريان السياق لتوفر الشرطين المعتبرين في جريانه، وبعد البناء على أن السياق قرينة متصلة توجب منع انعقاد الظهور، يأتينا سؤال: هل أننا نلتزم بأن السياق يعد قرينة دائماً وأبداً؟

الصحيح أنه يصعب البناء على أن وحدة السياق تصلح أن تكون قرينة دائماً وأبداً، بل ينبغي التفصيل بين ما كان مفيداً للمصداق فقط دون غيره فلا ينفع التمسك بالسياق، وبين ما كان ملحوظاً فيه المفهوم فيمكن التمسك بالسياق.

مثال لتوضيح ذلك: قوله عز من قائل في سورة البقرة: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ…) إلى قوله: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ). ورود هذا المعنى في سياق (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ) يشير إلى تأسيس قاعدة عامة، وهذا الذي أجمع عليه الفقهاء. فقوله عز من قائل (كتب عليكم الصيام) مصداق من مصاديق قوله تعالى (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر). إذن ذا وحدة السياق يشير لمصداق من مصاديق الكلية أو القاعدة العامة.

أما لو كان المقام مقام إشارة إلى مصداق في الخارج، فحينئذ يمكن عدم ترتيب الاثر على ما ذكر. وخير مثال: آية التطهير. هي تتكلم عن مصداق (يا نساء النبي لستن كأحد من النساء) وغير ذلك، هذا يتحدث عن مصداق لو يتحدث عن مفهوم كلي؟ يا أهل المنطق، ما دام الحديث عن مصداق، إذن لا يمكن التمسك بوحدة السياق، لأن الاستناد إلى وحدة السياق حال كون المقام حديثاً عن المفهوم وهذا مصداق من مصاديقه، وليس الحديث عن مصداقه.

التمرير إلى الأعلى