مناقشة حجية وحدة السياق في القرآن الكريم
كان الحديث فيما تقدم في الجواب عن القرينة الثالثة التي ذكرها الفاضل النراقي (قدس الله تربته الطاهرة)، وهي عبارة عن التمسك بوحدة السياق. وقد عرفت جواب بعض فضلاء العصر (دام موفقاً) عنها بجوابين: كبروي وصغروي، وعرضناهما فيما تقدم.
الجواب الكبروي: شروط حجية السياق
يمكننا أن نؤيد ما ذكره (وفقه الله) في جوابه الكبروي بما جاء في كلام بعض الأساتذة (دام عزه) في كتابه (ميثاق الإمامة في آية الولاية)، فقد ذكر أمرين يمنعان القبول بكبرى السياق، أو عبر عنهما شرطين معتبرين للبناء على الاستناد إلى وحدة السياق:
(الأمر الأول: وهو إحراز توقيفية ترتيب الآيات القرآنية؛ لأن الاحتجاج بالسياق لا يتم إلا إذا أُحرز أن الآية واقعة في نفس السياق، أما لو كان متفرقاً في أزمنة مختلفة نزلت هذه الآية، ثم نزلت هذه الآية، ثم نزلت هذه الآية، فلن تبقى حجية للسياق).
(الأمر الثاني: يعتبر في الاستناد إلى وحدة السياق إحراز الوحدة الموضوعية بين الآيات؛ فإن من يقرأ القرآن الكريم يعلم يقيناً أنه كثير الانتقال بين المواضيع المختلفة، سواء في السورة الواحدة أو حتى في الآية الواحدة).
والسياق لا يكون حجة إذا لم نحرز بأن الآيات تتحدث عن نفس الموضوع. وقد أشار للاعتبار الثاني صاحب الميزان (أعلى الله في الخلد مقامه).
إفساد الاستدلال بالسياق في آيات الولاية
وأول ما يفسد من كلامهم ما ذكروه من أمر وحدة سياق الآيات، وأن غرض الآيات التعرض لأمر ولاية النصرة وتمييز الحق منها من غيره؛ فإن السورة وإن كان من المسلم نزولها في آخر عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حجة الوداع، لكن من المسلم أيضاً أن جميع آياتها لم تنزل دفعة واحدة، ففي خلالها آيات لا شبهة في نزولها قبل ذلك.
ومضامين الآيات تشهد بذلك، وما ورد فيها من أسباب النزول يؤيده، فليس مجرد وقوع الآية بعد الآية أو قبل الآية يدل على وحدة السياق، ولا أن بعض المناسبات بين آية وآية يدل على نزولهما معاً دفعة واحدة، أو اتحادهما في السياق.
على أن الآيات السابقة -أعني قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا) الآية- تنهى المؤمنين عن ولاية اليهود والنصارى، وتُعيِّر المنافقين والذين في قلوبهم مرض بالمشارعة إليهم ورعاية جانبهم، من غير أن يرتبط الكلام بآخر.
هل ترتيب الآيات وحياني توقيفي؟
نطرح هذا السؤال: هل أن ترتيب الآيات الواردة في السورة وحياني توقيفي أم لا؟ هنا قولان في المسألة:
القول الأول: ما هو المشهور والمعروف بين علماء الفريقين من البناء على أن القرآن الموجود بأيدينا قد جُمع في عهد النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله)، وأن آيات كل سورة من سوره قد جرى ترتيبها بإشراف منه (صلى الله عليه وآله)، ولم يقع فيه أي اختلاف في الترتيب. وممن بنى على هذا الرأي من علماء الطائفة سيدنا الإمام الخوئي (أعلى الله في الخلد مقامه) والشيخ الفاضل اللنكراني (رضي الله تعالى عنه).
يترتب على هذا القول إمكانية الاستناد إلى السياق في فهم الآية القرآنية وفق شروط معينة.
القول الثاني: ما اختاره السيد الطباطبائي (أعلى الله في الخلد مقامه) من البناء على أن ترتيب آيات كل سورة من سور القرآن الكريم كان من خلال الصحابة (اجتهادي)، ولم يكن ذلك بفعل من رسول الله (صلى الله عليه وآله).
سوف تختلف النتيجة وفقاً للقولين المذكورين من حيث إمكانية التمسك بالسياق كقرينة وعدمه؛ فلو بُني على القول الأول أمكن الاستناد إلى وحدة السياق، بخلاف ما لو بُني على القول الثاني فإنه لن يمكن الاستناد إلى وحدة السياق القرآني إلا إذا أُحرز أن الآية واقعة ضمن هذه المجموعة من الآيات، فلو أُحرز العدم أو شُك في ذلك لم يمكن التمسك عندها بالسياق.
مناقشة الاستناد إلى السياق حتى مع القول بالتوقيفية
بل الظاهر أنه يصعب البناء على التمسك بالسياق حتى مع الالتزام بالقول الأول لفهم المراد من الآية الكريمة؛ لأن أقصى ما دل عليه الدليل هو التوقيفية، ووضع النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) الآية في هذا الموضع فقط لا غير، وهذا المقدار لا ينفع للتمسك بالسياق؛ لأنه لازم أعم.
والذي يحقق إمكان التمسك بالسياق أمران (شرطان) لا بد من توفرهما:
أولاً: الالتزام بأن ترتيب الآيات القرآنية في كل سورة سورة توقيفي وحياني. فلو لم يثبت ذلك ولو بنحو السالبة الجزئية، تولدت عندها شبهة مصداقية تمنع من التمسك بالسياق والاستناد إليه.
ثانياً: إحراز وضع النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) هذه الآية ضمن هذه المجموعة من الآيات لارتباطها مضموناً مع الآيات التي قبلها والآيات التي بعدها. ما لم يُحرز ذلك، أو أُحرز العدم -بأن وضعها النبي (صلى الله عليه وآله) في هذا المكان من أجل أن لا تُحرف لغاية أخرى غير الارتباط المضموني- فلن يمكن التمسك بالسياق حينئذ.
مثلاً: (آية التطهير)؛ لن يصح الاستناد إلى وحدة السياق لدلالتها على تحديد المقصود بأهل البيت بزوجات النبي (صلى الله عليه وآله) إلا إذا أحرزنا أن وضعها في هذا الموضع يعود لوجود ارتباط مضموني لها بما سبقها من الآيات وما لحقها. أما إذا أُحرز عدم له الارتباط المضموني، فلا يمكن التمسك بالسياق.
ضرورة التفرقة بين المفاهيم الثلاثة
ينبغي الالتفات إلى ضرورة التفريق بين مفاهيم ثلاثة تتداخل عادة في كلمات الأعلام والباحثين، لا ينبغي الغفلة عن ذلك، وهي:
- السياق القرآني أو وحدة السياق القرآني.
- استقراء الاستعمال في القرآن الكريم.
- قاعدة “المورد لا يخصص الوارد”.
وغالباً ما يقع الاشتباه سيما بين الأول والثالث فيتداخلان، فلا يُفرّق بينهما ويحصل الخلط.