عنوان الدرس:

الدرس 10

اسم الأستاذ:

الشيخ محمد العبيدان

اسم الدورة: فقه الشعائر الحسينية - 2024-2025
تسلسل الدرس 10
تاريخ الدرس 08/09/2024
بسم الله الرحمن الرحيم
00:00 --:--

دلالة آية تعظيم الشعائر وحجية السياق

بسم الله الرحمن الرحيم، لازال كلامنا مستمراً في الحديث حول دلالة قوله تعالى: (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ). وقد ذكرنا فيما مضى تقريب دلالة الآية القرآنية على مشروعية بل مرجوحية بل ربما وجوب تعظيم مطلق الشعائر الدينية، لتكون الآية القرآنية بمثابة العام الفوقي الدال على كل ما ينطبق عليه عنوان شعيرة دينية.

استعراض إشكالات الفاضل النراقي

عرضنا كلام (الفاضل النراقي) قدس سره، والمتمثل في ذكر قرائن أربع تحول دون البناء على استفادة العموم من الآية المباركة. وقد أيدنا كلام (الفاضل النراقي) قدس سره من خلال أمور ثلاثة: الاستعمال القرآني، وكلمات المفسرين، ثم الروايات التي وردت في تفسير آيات الشعائر في القرآن الكريم. وكانت النتيجة البناء على عدم استفادة العموم من الآية القرآنية، والبناء على اختصاص مدلول الآية القرآنية بخصوص معالم الحج ومناسكه ببيان مضى.

أُجيب عن القرائن الأربع التي ذكرها (الفاضل النراقي) قدس الله تربته. عرضنا في الجلسة الماضية جوابين عن القرينة الأولى التي وردت في كلام (الفاضل النراقي)، وقد كان محصل الجواب الأول التالي: أن (الفاضل النراقي) قدس سره قد خلط بين المفهوم والمصداق، ونتيجة وقوعه في الخلط بين المفهوم والمصداق نجم عنه ما قرره قدس الله تربته الطاهرة من وجود إجمال في المدلول أو ما شابه. ثم الجواب الثاني: القرينة الثانية وهي الإضافة التشريفية والتي تستدعي وجود تقدير، أجيب عنها بانه: أي محذور في البناء على وجود تقدير؟ وجود تقدير في المقام لن يخل بالدلالة على المطلوب لأمرين تقدم ذكرهما.

الجواب عن حجية السياق (القرينة الثالثة)

فعلاً بقي عندنا الجواب عن القرينة الثالثة والقرينة الرابعة مما أفاده (الفاضل النراقي) قدس سره. اقتصر (الفاضل المعاصر) في الجواب عن كلام المحقق النراقي على القرينة الثالثة وترك القرينة الرابعة -يعني أجاب عن ثلاث-.

القرينة الثالثة إذا كنت تتذكر هي عبارة عن التمسك بوحدة السياق، فإن (الشيخ النراقي) قد أشار إلى أن الآية القرآنية واردة في سياق الحديث عن مناسك الحج ومعالمه، فيكون الأمر موجباً للانحصار أو الاختصاص بذلك كما هو معلوم.

أجيب عن هذه القرينة بجوابين: جواب كبروي، وجواب صغروي.

الجواب الكبروي: عدم صلاحية السياق للمنع

أما الجواب الكبروي الذي ذكر في المقام، وهو: منع صلاحية السياق لكونه قرينة عقلائية يعول عليها في المحاورات العرفية والكلام. تمام النكتة التي يريد أن يستند إليها المحقق النراقي هو البناء على أن السياق يمثل قرينة عقلائية يعول عليها. (الفاضل المعاصر) كبروياً يقول: نمنع صلاحية السياق لهذا الأمر.

وبيان ذلك: بعدم صلاحية السياق أن يكون قرينة عقلائية يعول عليها في المحاورات العرفية للكلام حتى يمنع دلالة الآية القرآنية على العموم؛ لأننا قد وجدنا فقهاء الطائفة وأعيانها لا يعولون على السياق في مجموعة من الآيات القرآنية، والقاعدة العامة الموجودة عندنا أن حكم الأمثال من حيث ما يجوز وما لا يجوز واحد، فهؤلاء الفقهاء في مجموعة من الآيات مع وجود سياق ما اعتنوا وما عولوا، فبالتالي هذا يدلل على عدم صلاحية السياق أن يكون قرينة عقلائية يستند إليها.

شواهد قرآنية على عدم حجية السياق

يمكن أن نوضح الكلام بصورة أوضح وزيادة: ألا تقررون بأن وقوع مفردة من المفردات أو مفهوم من المفاهيم في مورد من الموارد يعتمد في تحديد المقصود منه على سياقه؟ فتقررون بأن السياق يقرر كذا، مثلاً النكتة التي بيننا وبين غيرنا يقول عز من قائل: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ). لو كنا وسياق الآية القرآنية لقررنا بأن مفادها عبارة عن غنيمة الحرب، ويشكل قرينة عقلائية داعية للالتزام بهذا المعنى، ومن ثم ترتيب الأثر على اختصاص الغنيمة في الآية على سياق غنيمة الحرب، هكذا يقرر. دعونا من الجوانب الأخرى.

فبناءً عليه هذا الذي التزم به (الفاضل النراقي) قدس سره في المقام. (الفاضل المعاصر) يقول أساساً من الذي قال أن السياق يشكل قرينة عقلائية حتى يرتب عليها الأثر ويلتزم بها؟ خير شاهد على ما نقول أننا نجد مجموعة من الفقهاء لا يعنون بالسياق، وحكم الأمثال فيما يجوز وما لا يجوز واحد.

الشاهد الأول: آية الوفاء بالعقود

المثال الذي أفاده وفقه الله عبارة عن قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ). فقالوا كلاماً بأن الجمع المحلى باللام يفيد العموم، فيكون مدلول قوله تعالى: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) كل عقد يتم بين الناس في المعاملات أو في الإيقاعات بناء على أنه عقد بين المرء ونفسه كما ذكر ذلك صاحب مجمع البيان قدس الله تربته.

يقول (الفاضل المعاصر): هكذا أفتى الأعلام، مع أن هذا خلاف مقتضى السياق في الآية القرآنية؛ لأن مقتضى السياق في الآية القرآنية يقتضي أن تحمل الآية على خصوص ما يحل أكله من بهائم الأنعام، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ)، فالمقصود من العقود (أُحِلَّتْ لَكُم) يعني على أساس أن قوله تعالى (أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ) تفسير لكلمة العقود، وما دام تفسيراً لكلمة العقود سيكون المقام يقتضي هذا الأمر.

فمقتضى السياق اختصاص العقود حينئذ ببهيمة الأنعام، فتكون الآية القرآنية منحصرة في هذا الجانب، ولا معنى لما أقامه الشيخ الأنصاري وتبعه الأعلام من جعل الآية القرآنية أصلاً موضوعياً يعول عليه في باب المعاملات ويجعل عاماً فوقياً يستند إليه.

بعض الفقهاء حتى يعالج مشكلة السياق ماذا قال؟ قال بأن كلمة (أُحِلَّتْ) ليست تفسيراً لكلمة العقود، وإنما هي محمولة على الابتداء، وكأن الآية مشتملة على قسمين: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) نقطة على السطر جملة تامة يحسن السكوت عليها، بعد ذلك ابتدأ من جديد فقال: (أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ). لو بنينا على الثاني لن يكون نقد الناقد في محله، لو بنينا على الأول سيكون النقد الصادر عن الناقد في محله.

الشاهد الثاني: آية الولاية

في تصوري أن (الفاضل المعاصر) لو أنه أتعب نفسه شيئاً ما وجاء بآية أخرى لكانت أوضح في الدلالة لمراده من هذا. مثلاً: آية الخمس التي تلونا قبل قليل: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ). هنا الآية واردة في غنيمة الحرب، وبالتالي سياق الآية سياق غنيمة الحرب، وما دامت الآية سياقها سياق غنيمة الحرب يفترض البناء على اختصاص الغنيمة في الآية بغنيمة الحرب. بينما نجد أن علماء الطائفة جعلوا الآية القرآنية عاماً موضوعياً يرجع إليه لوجوب الخمس في مطلق الفائدة، ولذا استدل (السيد الخوئي) قدس سره مثلاً في باب أرباح المكاسب بهذه الآية، واستدل غيره من الأعلام أيضاً على ذلك بهذه الآية. ما يعني بناؤهم على أن الغنيمة في الآية ليست خصوص غنيمة الحرب.

مورد ثاني أيضاً مما لا يكون للسياق التأثير، قوله تعالى: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ). لو رجعت لهذه الآية في سورة المائدة ستجدون سياقها حديث عن اليهود وتولي أهل الكتاب، فإذا أخذنا بملاحظة السياق كقرينة سيكون مدلول الآية القرآنية هو اعتبار تولي الإنسان المؤمن، لا أن المقصود هو تولي الخليفة الإلهي المنصوب من قبل الله عز وجل على لسان النبي الكريم (صلى الله عليه وآله). فالسياق يفيد شيئاً، والذي عليه علماء الطائفة يفيد شيئاً آخر، ما يعني أن علماء الطائفة لم يعولوا على السياق.

الشاهد الثالث: آية التطهير

المورد الثالث والأخير وهو آية التطهير، وهي من أشكل المشكلات، حتى قال بعضهم بأن هذا ليس موضع آية التطهير، آية التطهير: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) واردة في الحديث عن نساء النبي. فمقتضى السياق أن يكون موضوعها نساء النبي، بينما أنتم تقولون لا، بأن موضوعها ليس نساء النبي (صلى الله عليه وآله) بل موضوعها عبارة عن أصحاب الكساء الخمسة (صلوات الله عليهم أجمعين) والأئمة الطاهرين من نسل الحسين (عليه السلام). هذا رفع لليد عن السياق.

إذن هذا كله يدلل على أن علماء الطائفة لم يعولوا على السياق ويتخذونه قرينة يعتمد عليها أو يركن إليها في مقام المحاورات العرفية والعقلائية، حتى تأتي أنت أيها (الشيخ النراقي) لتقرر بأن السياق يمثل قرينة مانعة من انعقاد العموم للمفردة.

 

التمرير إلى الأعلى