عنوان الدرس:

الدرس 1

اسم الأستاذ:

الشيخ محمد العبيدان

اسم الدورة: فقه الشعائر الحسينية - 2024-2025
تسلسل الدرس 1
تاريخ الدرس 21/08/2024
بسم الله الرحمن الرحيم
00:00 --:--

فقه الشعائر الحسينية

بسم الله الرحمن الرحيم. سوف يكون حديثنا خلال الأيام القادمة بإذن الله تعالى تحت عنوان (فقه الشعائر الحسينية). بدايةً أقول: إن من الأمور التي اعتاد المؤمنون على عملها وممارستها في الخارج مجموعة من الأفعال التي تُنسب إلى الإمام الحسين (عليه السلام)، ويُعبر عنها في كلماتهم بأنها (الشعائر الحسينية).

أقسام الأدلة على مشروعية الشعائر

وقد استندوا في مشروعية ما يقومون به من عمل وإحياء إلى نوعين من الأدلة: أحدهما عام، والآخر خاص. أما الدليل العام: فهو الذي عُدّت الشعائر الحسينية من صغرياته. وأما الدليل الخاص: فهو مثل النصوص التي وردت في خصوص الحث على البكاء، وما للباكي على مصاب الإمام الحسين (عليه السلام) من الأجر والثواب، وكذا النصوص التي تضمنت الحث على التباكي، وكذا النصوص الواردة في خصوص الجزع والزيارة وما شابه ذلك.

هل الشعائر الحسينية توقيفية؟

وقد وقع الخلاف في مدى صلاحية النوع الأول من الأدلة للدلالة على المطلوب، ومن ثَمّ وقع الكلام أيضًا في أن الشعائر الحسينية توقيفية أم لا؟ إذ من الواضح جدًا أنه لو بُني على كون الدليل على المشروعية هو النوع الثاني من الأدلة (النصوص الخاصة)، فسوف يكون البناء على عدم توقيفية الشعائر الحسينية من الصعوبة بمكان، وإن لم يكن محالًا. وإنما يكون للدغدغة حينئذٍ في التسليم بذلك بحاجة إلى مزيد عناية.

على سبيل المثال: تمت الأدلة الدالة عندنا على مشروعية الزيارة، وخرجنا بنتيجة أن هناك نصوصًا معتبرة سندًا تامة الدلالة على مشروعية زيارة الإمام الحسين (عليه السلام). هذا النص وارد في (عاشوراء)، وارد في (النصف من شعبان)، وارد في (الأول من شهر رجب الأصب)؛ لكن كيف يمكننا من خلال ذلك أن نثبت استحباب زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) يوم الأربعين؟ فإن ما دل على مشروعية الزيارة في الأوقات التي ذكرت، لا يمكن أن يكون صالحًا للدلالة على إثبات استحباب الزيارة في أوقات أخرى، إلا أن يُدعى بأن النصوص وإن تضمنت الإشارة إلى استحباب الزيارة في الأوقات المذكورة، إلا أن العرف لا يرى خصوصية لهذه الأوقات، وإنما يرى العرف أن تمام الموضوع يدور مدار عنوان الشعيرة وهي (الزيارة)، فالإتيان بها في كل وقت من الأوقات مطلوب ومستحب.

وبناءً على هذا يقرر بأن الزيارة شعيرة توقيفية مخصوصة بوقت معين ليست مطلقة، فالتعدي يحتاج إلى أمر. بخلاف ما لو تمت الأدلة من النوع الأول، وهي الأدلة الدالة على مشروعية (الشعائر الإلهية)، وبنينا على أن الشعائر الحسينية من مصاديق الشعائر الإلهية، فإن الأمر يكون أسهل بكثير؛ إذ يمكننا أن نوسع دائرة الباب، فنستحدث مجموعة من الشعائر وننسبها للإمام الحسين (عليه السلام) وفق ضابطة معينة، فنقرر بأن الشعائر الحسينية حينئذٍ ليست شعائر توقيفية.

أهمية البحث وخطورته

إن البحث عن فقه الشعائر الحسينية مدعاة للبحث عن النوعين المذكورين من الأدلة، وملاحظة مدى دلالتهما على المطلوب سعة وضيقًا. وقبل استعراض هذه الأمور لا بأس بالإشارة إلى أهمية الموضوع. ولن أعقب شيئًا، وإنما أنقل كلامًا لعلمٍ من علماء الطائفة وعظيم من عظمائها، يشير إلى مدى أهمية الموضوع وخطورته، وهو الفاضل النراقي (قدس سره) في كتابه (عوائد الأيام).

قال (قدس سره): (قد تكرر في كتب الفقهاء الحكم بوجوب تعظيم شعائر الله، وبه يتمسكون في أحكام كثيرة من الوجوب والحرمة، كحرمة بيع المصحف وكتب الحديث من الكفار، ودخول الضرائح المقدسة على غير طهور، وأمثال ذلك). ويشير إلى قوله تعالى: (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ). هذا الكلام يشير إلى أن الأعلام قد فهموا من (شعائر الله) الوارد ذكرها في الآية القرآنية السعة وعدم الاختصاص، ولذا عدوا الآية المباركة أصلًا موضوعيًا يستند إليه في موارد متعددة.

الاستدلال بعموم تعظيم شعائر الله

استند القائلون بوجود عمومات صالحة للدلالة على مشروعية الشعائر الحسينية بمجموعة من الأدلة، عُدّت أدلة لقاعدة (تعظيم الشعائر الإلهية). من الواضح أن تمامية الاستدلال بهذه الأدلة فرع توفر أمرين:

  • الأول: تمامية العمومات المذكورة للدلالة على ضرورة تعظيم الشعائر الإلهية.
  • الثاني: البناء على عدّ الشعائر الحسينية من الشعائر الإلهية.

فلو استطعنا أن نثبت أن (القضية الحسينية) من (أيام الله) في قوله تعالى: (وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ)، فيمكننا أن نثبت أنها أيضًا من الشعائر الإلهية. ولم نجد في النصوص الشريفة التعبير عن القضية الحسينية بالنهضة أو بالثورة، وإنما التعبير دائمًا وأبدًا بـ (يوم الحسين)، وهذا يساعد على ربط هذه النصوص بقوله تعالى (بأيام الله).

تحليل مفردات آية التعظيم

عُدّت الآية الكريمة: (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ) أصلًا موضوعيًا لتوسعة موضوع الشعائر الإلهية ليكون شاملًا للشعائر الحسينية. والبناء على صلاحية الاستدلال بالآية الشريفة وجعلها أصلًا موضوعيًا وعامًا فوقيًا يعتمد على بيان مفردات تضمنتها الآية، وهي ثلاث:

المفرده الأولى: الشعائر. فنحتاج أن نحدد المقصود من مفردة الشعائر التي ورد ذكرها في الآية، وبيان أنه عنوان خاص أم أنه عنوان عام؟ إذ لو بني على الأول (عنوان خاص) كنا في راحة، وستكون الآية غير صالحة للدلالة على مشروعية الشعائر الحسينية. وإن بني على الثاني (عنوان عام) كنا في راحة أيضًا لأنها ستكون دالة على توسعة الموضوع.

المفرده الثانية: التعظيم. بيان المقصود من التعظيم الوارد ذكره، وكيف يكون تحقيقه خارجًا. وهل أن التعظيم من المفاهيم المتواطئة فلا يكون له إلا رتبة واحدة؟ أو أنه من المفاهيم المشككة مما يعني أن له مراتب متعددة؟

المفرده الثالثة: تقوى القلوب. ما هو المقصود من تقوى القلوب؟ وكيف نربط بين تقوى القلوب وبين تعظيم الشعائر؟ فكيف تكون تقوى القلوب سببًا لتعظيم الشعائر؟

المقصود من الشعائر في الآية

قُرّب دلالة الآية الشريفة على المدعى على أساس أن المقصود من (الشعائر) الوارد ذكرها في الآية هو: (كل ما يُشعر بالشيء)، ويتحدد المراد من الشيء بحسب الإضافة. فـ (شعائر الله) هي كل ما يُشعر بالله عز وجل، أي كل ما يوجب العلم به، والإحساس به، وكل ما يكون سببًا وسبيلًا للوصول إليه.

وعليه، سوف يكون المقصود من (شعائر الإمام الحسين عليه السلام) أيضًا: كل ما يُشعر بمصيبته، أو كل ما يكون سببًا وسبيلًا لمعرفة أهدافه ومكانته. والشعائر في الآية القرآنية مضافة لله سبحانه وتعالى (شَعَائِرَ اللَّهِ)، إذن سوف يكون المقصود: كل ما يُشعر بالله، وكل ما يقود إلى طاعته عز وجل. ومن الواضح أن هذا عنوان عام لا يختص بشيء دون شيء، فيشمل الآيات الآفاقية، والآيات الأنفسية، ويشمل كل ما يكون سببًا في الوصول إلى الله عز وجل كالكتب السماوية.

المحتملات المتصورة لمعنى الشعائر

إن المراجعة لكلمات اللغويين تقف على وجود معانٍ كثيرة لمفردة الشعائر، يرتبط منها بمدلول الآية خمسة:

  1. أن الشعائر جمع (الشِعار) -بكسر الشين-: وهو الذي يتنادى به القوم في الحروب ليعرف بعضهم بعضًا.
  2. أن تكون الشعائر جمعًا لـ (الشعور) وهو الإحساس. ومنه قولهم (رهيف المشاعر).
  3. أن تكون كلمة الشعائر جمع (شعيرة) وهي ما ندب الشرع إليه، ويسمى كل موضع للمنسك (مشعرًا).
  4. أن المقصود من الشعائر (العلائم)، ومفردها (العلامة)، ومن ذلك قوله تعالى: (لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ) والمراد بها ما يهدي إلى بيت الله.
  5. أن تكون كلمة الشعائر جمعًا لكلمة (الشِعار) -بالكسر- وهو ما تحت (الدِثار) من اللباس (الملابس الداخلية الملاصقة للجسد)، ومنه حديث أمير المؤمنين (عليه السلام): (أنتم الشعار دون الدثار)، والمراد أنتم الخاصة دون العامة.

والظاهر أن المعاني المذكورة ليست تفسيرات لمفردة الشعائر، بل هي محتملات، ولكن الجامع بينها هو ما ذكرناه: (أن المقصود من الشعائر كل ما يُشعر بالشيء ويدل عليه). واتخاذ القرآن شعارًا أو الدعاء دثارًا في أحاديث الأولياء يعني كثرة ملازمته.

 

التمرير إلى الأعلى