بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا ونبينا محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين الأكرمين، رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي.
يقع الكلام إن شاء الله في كتاب الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية. وهو متن باسم اللمعة الدمشقية ألفه الشهيد الأول رضوان الله تعالى عليه، وشرح ممزوج عليه شرحه به الشهيد الثاني رضوان الله تعالى عليه. ولا بأس قبل الشروع بأن نقرأ ثواب المباركة الفاتحة ونهدي ثوابها إلى روح الشهيدين رحمهما الله والعلماء الأعلام. بسم الله الرحمن الرحيم…
قبل الدخول في كتاب اللمعة أو في كتاب الروضة، لا بأس بتقديم بعض الأمور.
هذا الكتاب الشريف، كتاب الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية، هو من أبرز الكتب التي دارت عليها رحى الدرس والتدريس والتعليق. وهو يقع في مرحلة وسطى في الدروس الحوزوية أو في الدراسة الحوزوية.
الآن الطالب قبل أن يدخل في اللمعة يفترض أنه قطع على الأقل دورة فقهية كاملة. قطع التبصرة، قطع الشرائع، قطع الرسالة العملية. تلك المرحلة كان غرضها أن يحصل الطالب على إطار تصوري عام عن الفقه. يعني يكون عنده تصور جيد من الطهارة إلى الديات. يعيش الجو الفقهي، يعرف فروع المسائل الموجودة، يتعرف على المصطلحات، يعرف أبرز المسائل وهكذا. تلك المرحلة ما كنا نسميها فقهًا. إنما نسميها إن صح التعبير دراسة مخرجات الفقه، نتائج الفقه.
هنا من هذا الكتاب، من هذه المرحلة مرحلة السطوح، الطالب يدرس الفقه. الفقه كما درستم في الأصول هو العلم بالحكم الشرعي عن دليله التفصيلي، العلم بالأحكام الشرعية عن أدلتها التفصيلية. هذه المرحلة مرحلة اللمعة، يفترض أن الطالب فيها يفهم المطالب بشكل أدق. يعني الطالب المفروض يكتسب في هذه المرحلة مهارة تحرير موضوع المسألة فقهيًا. هذا تحرير موضوع المسألة من الأمور المهمة، لأن التصديق فرع التصور. إذا لم يكن عندك تصور جيد للمسألة لا يمكنك أن تفهم فروعها.
أيضًا يكتسب الطالب في هذه المرحلة مهارة التفريع والتشقيق في موضوع المسألة الفقهية. نحن نرى مثلًا أن الشهيد الأول رحمه الله يذكر.. لأن اللمعة رسالة مختصرة جدًا كتبت لبعض الظروف التي سيشير لها الشهيد الثاني في شرحه لخطبة الكتاب، فجاءت مقيدة مغلقة بعض العبارات، مختصرة. سنكتسب إن شاء الله -يعني نسعى إلى أن نكتسب- مهارة تحرير الحكم الفقهي، مهارة تفريع الحكم الفقهي. عندنا حكم واحد نفرع عليه، نذكر فروعًا. هذه من المهارات المهمة.
أيضًا يكتسب الطالب في هذه المرحلة مهارة تحرير محل النزاع. تحرير محل النزاع بين الفقهاء بعد أن يستعرض الأقوال، ضروري يعرف ما هو محل النزاع. ربما يكون النزاع لفظيًا، لأن هذا الفقيه ينظر إلى شيء وذاك الفقيه ينظر إلى شيء. نحن نريد أن نحرر محل النزاع في هذه المسائل.
أيضًا الطالب في هذه المرحلة مرحلة اللمعة يتعرف بشكل موجز وبشكل أولي على الاستدلال الفقهي، على مبادئ الاستدلال الفقهي. يعني الآن في الشرائع ما درسنا الاستدلال الفقهي، ربما بلمحات عابرة جدًا، لكن هنا سنجد شيئًا من الاستدلال. لا أقول بأن الكتاب كله كتاب استدلالي والطالب يتعلم في كل مسألة فيه الاستدلال، لا، كتاب اللمعة مزيج بين التفريع والتحرير وبين الاستدلال. بخلاف كتاب دروس تمهيدية الذي وضعه الشيخ الإيرواني حفظه الله ليكون رديفًا للمعة أو محلها.. ذاك بحث آخر ما نتعرض له الآن.
الشاهد أن الطالب هنا يتعرف على مبادئ الاستدلال الفقهي. ما يخوض في كافة تفاصيل المسألة، لكن مثلًا يتعرف على كيفية توظيف الآية ليستدل بإطلاقها، أو توظيف الرواية ليستدل بإطلاقها، أو رد الرواية لوجود علة، أو توظيف الاستصحاب في المسألة وهكذا. الشاهد أننا في هذه المرحلة نعيش نمطًا ابتدائيًا من الاستدلال.
من أجل أن يتحقق هذان الغرضان لدى الطالب، لا بد وأن يكون الطالب قد أتقن دروسه في المراحل السابقة. يعني المراحل السابقة كان دورها في الحقيقة دور البناء. المراحل السابقة كانت مرحلة تأسيس، الآن أنت تريد أن تبني. لا يصح أن تبني بيتًا على أساسات ضعيفة. فإذا الطالب ما كانت أساساته قوية في مرحلة التبصرة، مرحلة الشرائع، مرحلة الرسالة العملية، قد يواجه صعوبة هنا. لأنك هنا أولًا تحرز أنك تصورت المسألة جيدًا وفهمت الحكم، بعد ذلك افهم مقصود الشهيد الأول ثم مقصود الشهيد الثاني ثم ما يقع فيها من استدلال إلى آخره.
فأنت لما يكون عندك تصور جيد تكون هذه المسائل مارة عليك، تكونون فاهمين لها. الآن تريد أن ترى ما هو الجديد الذي سأكتسبه في هذا الكتاب. هو ليست فقط مسألة أننا نعود ونكرر المسائل الفقهية كما قد يعتقد البعض، لا نحن هنا نتعمق في آلية معينة نريد أن نفهمها من المسائل. ملكة نريد أن نكتسبها في هذه المرحلة.
البناء الجيد في هذه المرحلة يؤثر في المراحل اللاحقة. إذا واحد ما يحرز صحة بنائه وقوة بنائه في مرحلة اللمعة يتعب جدًا في مرحلة المكاسب وفي مرحلة البحث الخارج. الطالب الذي يبني نفسه بنيانًا جيدًا في هذه المرحلة يظهر آثار ذلك بشكل واضح جدًا في المراحل اللاحقة. وربما أنتم لمستم ذلك من أنفسكم، حينما كنتم مثلًا تدرسون التبصرة ودرستموها بدراسة جيدة وجدتم أثر ذلك في الشرائع. وهكذا إن شاء الله حينما نقرأ في اللمعة ستجدون آثار ما درستموه في الشرائع في اللمعة وهكذا.
هنا أضيف نقطة وهي أننا نتعامل مع فقه. الفقه بطبيعته فرار ويحتاج إلى كثرة التكرار وكثرة المطالعة. ينقل أحد أعلام العصر حفظه الله، يقول الشيخ جعفر كاشف الغطاء.. الشيخ جعفر كاشف الغطاء صاحب كتاب كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغراء، أستاذ الشيخ صاحب الجواهر من الأعلام المجددين في المذهب. سئل الشيخ جعفر كاشف الغطاء: شيخنا لماذا أنتم متفوقون في الفقه على أقرانكم؟ ما السبب الذي جعلكم تحوزون قصب السبق في الفقه؟ قال: أنا كررت الشرائع ثلاثمئة مرة. ثلاثمئة مرة رجل مكرر الشرائع، ليست قراءة حفظ، قراءة فهم ووعي ومطالعة وتدبر، ثلاثمئة مرة، صار كاشف الغطاء.
أيضًا ينقل في بيان أهمية اللمعة عن السيد الگلپايگاني رحمة الله تعالى عليه، أنه كان دائمًا إذا جلس يكون بجنبه كتابان. كتاب الرسالة العملية -هو مرجع تقليد مرجع كبير مراجع التقليد- وكتاب اللمعة، الروضة البهية. أول ما تصيده مسألة يراجع اللمعة. أصلًا نقل البعض أنه سابقًا كان الشخص إذا أتقن اللمعة إتقانًا جيدًا يحوز درجة الاجتهاد. لهذه الدرجة يعني اللمعة من الكتب المهمة جدًا والتي تفتح للطالب آفاقًا.
على أي حال، دراسة هذا الكتاب الشريف، كتاب الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية، تحتاج إلى تحضير جيد. تحتاج إلى تحضير جيد، تحتاج إلى تحضير جيد. طيب كيف أحضر؟ هل أذهب وأكتفي مثلًا بقراءة الزبدة الفقهية؟ هل أكتفي بقراءة شرح السيد كلنتر؟ الجواب لا هذا ولا هذا. كيف يعني هل هذه دعوة للخروج عن المسلمات؟ لا هي دعوة للعودة للمسلمات. أول خطوة في التحضير لأن التحضير والدراسة ليست تلقينًا. التحضير والدراسة أن أمرن ذهني. مثل هذا الذي يبني عضلات؟ يقولون له لازم تروح بهذه الطريقة، لو يطالع سبعين فيديو لواحد يبني عضلات ما يصير عنده عضلات. لو يجلس يقرأ بهم ما يصير عنده. نفس الشيء نحن. حتى تكون عندك ملكة في فهم هذا الكتاب، أول شيء تفعله هو ماذا؟ تأتي إلى الكتاب. تعال وانظر، اللمعة ماذا يقول؟ الشهيد الأول ماذا قال؟ المكتوب بالغامق. حاول تفهم المقطع كاملًا، ليس جزء الفكرة، افهم الفكرة كاملة. فهمتها، قدرت تستوعبها؟ ارجع إلى الشهيد الثاني. ترى فقرة طولها صفحتين، قطع النص. كيف تقطع النص؟
تقطيع النصوص من المهارات، هذه مهارة مهمة في تقطيع النصوص. أنت تأتي وتطالع وترى أين الجملة التامة التي يصح السكوت عليها؟ الجملة التامة التي يصح السكوت عليها المكونة مثلًا من مبتدأ وخبر، رأيت مبتدأ تروح تدور خبره. رأيت فعلًا تدور فاعله. زين رأيت جارًا ومجرورًا تروح تدور متعلقه. إذن تحاول تفهم الفكرة. طيب جئت مثلًا لهذا المقطع، أقول الشهيد الثاني ماذا يريد في هذا المطلب؟ هل هو يعرف؟ يمكن يذكر لي تعريفات لغوية. أفهم إذن هذا تعريف. فأنا خلاص سويت مقطعًا وضعت عنوانًا خاصًا له: “تعريف الطهارة لغة”. هل هنا ينقد؟ يناقش الشهيد الأول؟ أقول هذه مناقشة. تعرفت عليها وتعرفت على طريقة المناقشة أصلًا عنده في أسلوب القدماء. هل هنا هو قاعد يشقق؟ قاعد يجيب فرعًا جديدًا؟ وهلم جرًا.
هذه المرحلة لو فقط الواحد يقتصر عليها يقدر يحضر الدرس. لأنه سيكون فهم المطلب فهمًا جيدًا. على الأقل هو يقارن فهمه بما يلقيه الأستاذ. قد يكون بنفس البيان ما زاد عنده شيء، الحمد لله نور على نور هذا تكرار للمطلب. قد يكون هو خطأ كان عنده، يكون يتعلم من المطلب. قد يكون صار عنده إشكال يطرحه على الأستاذ. ليس هو في وقت الدرس يريد يفهم المطلب ويريد يهضم المطلب ويريد أيضًا يشكل على المطلب. أنت افهم المطلب أولًا، كن محضرًا تحضيرًا جيدًا ثم بعد ذلك.
زين. خلصت هذا التقطيع، خلصت هذه الرياضة الذهنية والفكرية والتأملية الضرورية، تقدر تطالع في الشروح. انظر أنت يا مولانا انظر هل فهمك نفس الذي ذكره الشيخ طرحيني.. السيد طرحيني العاملي رحمه الله في شرحه الذي هو الزبدة الفقهية مثلًا؟ هل هو ما ذكره الشيخ وجداني في الجواهر الفخرية؟ هل هو ما ذكره السيد كلنتر في شرحه؟ وغير ذلك. بعدين تطالع.
من الأمور التي تنفع جدًا في دراسة اللمعة، أن يستعين الطالب بالكتب الأخرى المرتبطة بالكتاب. يعني عندنا على سبيل المثال مطالعة إذا تريد تفهم الكلام الذي نظر له الشهيد الثاني.. يريد أن يقول أن المصنف خالف نفسه هنا وخالف نفسه هنا، معناه هو ناظر إلى كتب الشهيد الأول. انظر في الذكرى، انظر في الدروس، انظر في نكت الإرشاد. مسألة هنا يمكن ما فهمتها جيدًا، تقدر تطالعها في المسالك للشهيد الثاني رحمة الله تعالى عليه، تطالعها في روض الجنان، تطالعها في حاشية الشهيد الثاني على الشرائع. أيضًا أنت تريد أن ترى المسألة كيف تناولها أعلام آخرون، تقدر تطالع المدارك في جزء العبادات، تقدر تطالع مثلًا في الرياض، كتاب الرياض للسيد الطباطبائي، تقدر تطالع في جامع المقاصد للمحقق الكركي، تقدر تطالع في أنوار الفقاهة، تقدر تطالع في الحدائق الناضرة. هذه أمور أنت عقب ما تخلص تحضيرك وفهمك وتريد تفهم المسألة أكثر كيف تناولوها تقدر تطالع هناك. ولا بد لطالب العلم من أن يمر بهذه الكتب ولو بالمطالعة يعني، هذه أمور ضرورية. العلم يحتاج إلى بذل الوقت وبذل الوقت وبذل الوقت، ربما يحظى الطالب بشيء.
أيضًا نحن هنا عندنا مطالب أصولية ومطالب رجالية للشهيد الثاني، أنا من أين أفهمها؟ أذهب وأفهمها من كتب الشهيد الثاني. ترى مثلًا في الأصول عنده تمهيد القواعد، موجودة موسوعة كاملة الشهيد الثاني، كل كتاب موجود ضمنها. تقدر ترى مثلًا الرعاية في علم الدراية للشهيد الثاني رحمة الله تعالى عليه، وهكذا.
طبعًا غني عن البيان أن الطالب ينبغي أن يكون قد أتقن متن الأصولية على الأقل، معالم، على الأقل يدرس حلقة ثانية، قد يتسامح فيه على الأقل حلقة ثانية يكون فاهمًا. كذلك أن يكون قد مر على دورة رجالية مختصرة، هذا من الأمور المهمة أيضًا بالنسبة للطالب.
تبقى أمور أخيرة أذكرها وهي بعض ميزات وإشكالات الكتاب.
الميزة الأولى أن الكتاب فيه عبارات لطيفة خفية. يعني عبارة من لفظ مختصر تفتح مطلبًا وافرًا ومطلبًا عظيمًا.
أيضًا الكتاب فيه بعض الاصطلاحات الخاصة، يعني “الأصل”. لما يقول الشهيد الثاني في الروضة البهية “الأصل”. الأصل له معانٍ أربعة في الروضة البهية. تارة يأتي الأصل بمعنى الغالب، تارة يأتي الأصل بمعنى الأصل العملي، تارة يأتي الأصل بمعنى القاعدة المستفادة من النصوص الشرعية اللفظية، وتارة رابعة يأتي الأصل بمعنى الأصل اللفظي.
أكو إشكالات ما نقول إشكالات بقدر ما أنها نقاط ينبغي الانتباه لها حتى ما نقع في لبس. من الأمور أننا قرأنا في الحلقات أنه لا تصل النوبة إلى الأصل العملي إلا متى؟ بعد تعذر وجود الدليل اللفظي. قد ترى يقول لك “للأصل والرواية”، يعني يقدم الاستدلال بالأصل على الرواية. والوجه في ذلك أن علم الأصول ما كان متطورًا بهذه المرحلة الحالية في زمن الشهيد الثاني رحمة الله تعالى عليه.
أيضًا من الإشكالات أن علم دراية الحديث وعلم الرجال لم يكن مستقرًا بعد، كان العلم توه جديدًا، لأنه كما تعلمون تربيع الحديث إنما نشأ في عصر العلامة رحمة الله تعالى عليه، أو عصر المحقق تبعًا للسيد أحمد بن طاووس رحمهما الله. فبالتالي العلم لما يكون توه في مراحله الأولى عند الشيعة، لا تتوقع أن يكون فيه ذلك الضبط والإتقان والدقة الجيدة كما هو موجود في العصور المتأخرة. بعد خلاص مسائل العلم مثل ما يقولون انمرخت، صارت واضحة الآن، فلا تقيسون شيئًا موجودًا الآن على ما هو موجود في الروضة.
أيضًا قد نجد مثلًا استدلالات بروايات عامية، فسيسرع الطالب للإشكال وكأنه هيأ فتحًا عظيمًا على الشهيد الثاني: “كيف يستدل الشهيد الثاني بروايات عامية؟”. الجواب أن هذا له أسبابه التاريخية وله ظروفه وتجدون أن هذا الأمر مبثوث أصلًا في كتب جملة من الأعلام. أنتم تذكرون أيضًا في الشرائع مرت علينا أحيانًا، وهو قبل على الأقل مئتين سنة تقريبًا من شهادة الشهيد الثاني. الشيخ الطوسي أيضًا، الموضوع له أسباب تاريخية موكولة في بحثها إلى بحث تاريخ الفقه.