حكم إزالة النجاسة قبل الشروع في الغسل
كلامنا في أنه هل يجب قبل الشروع في الغسل إزالة النجاسة الخبثية، بمعنى أنها شرط في صحة الغسل. فلو لم يزل النجاسة قبل الشروع في الغسل، تكون الأغسال باطلة، لأن هذا مقتضى كونها شرطًا. ومعنى الوجوب هنا ليس الوجوب التعبدي، وإنما إذا قلنا يجب، فهو من قبيل الوجوب الشرطي، مثل وجوب الترتيب بين أفعال الصلاة والموالاة وأمثال ذلك، مما هو وجوب شرطي، بمعنى عند انتفائه يبطل العمل المشروط. فهل إزالة النجاسة قبل الشروع في الأغسال وجوب شرطي، بحيث لو لم تسبق إزالة النجاسة الغسل تكون هذه الأغسال باطلة أم لا؟
الأقوال والأدلة على وجوب تقديم الإزالة
نُسب هذا القول إلى جملة من الأصحاب. بل في كلام صاحب المدارك أنه مقطوع به في كلام الأصحاب. وعن جملة من الكتب، كالاقتباس لأبي العباس بن فهد الحلي، دعوى الإجماع عليه، أنه يجب قبل الشروع في الأغسال إزالة النجاسة. فلو لم يزل النجاسة قبل الشروع في الغسل، فمقتضاه بطلان الأغسال.
ويُستدل على ذلك، مضافًا إلى دعاوى الإجماع، بظاهر النصوص. ففي الباب الثاني من أبواب وجوب الغسل، نجد روايات مثل رواية يونس ورواية الفضل بن عبد الملك. ولنلاحظ الرواية الثانية، وهي رواية حماد عن الحلبي، وهي صحيحة السند، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: “إِذَا أَرَدْتَ غُسْلَ الْمَيِّتِ فَاجْعَلْ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ ثَوْباً يَسْتُرُ عَنْكَ عَوْرَتَهُ إِمَّا قَمِيصٌ وَإِمَّا غَيْرُهُ ثُمَّ تَبْدَأُ بِكَفَّيْهِ وَرَأْسِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ بِالسِّدْرِ ثُمَّ سَائِرِ جَسَدِهِ وَ ابْدَأْ بِشِقِّهِ الْأَيْمَنِ فَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَغْسِلَ فَرْجَهُ فَخُذْ خِرْقَةً نَظِيفَةً فَأَلْقِهَا عَلَى يَدِكَ الْيُسْرَى ثُمَّ أَدْخِلْ يَدَكَ مِنْ تَحْتِ الثَّوْبِ الَّذِي عَلَى فَرْجِ الْمَيِّتِ فَاغْسِلْهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَرَى عَوْرَتَهُ فَإِذَا فَرَغْتَ مِنْ غُسْلِهِ بِالسِّدْرِ فَاغْسِلْهُ مَرَّةً أُخْرَى بِمَاءٍ وَكَافُورٍ… حَتَّى إِذَا فَرَغْتَ مِنْ ثَلَاثِ غَسَلَاتٍ فَاجْعَلْهُ فِي ثَوْبٍ نَظِيفٍ ثُمَّ جَفِّفْهُ”. وهكذا الرواية الأولى وهي رواية عبد الله بن مسكان.
والدعوى أن الأمر بإدخال اليد إلى الفرج وتنظيفه هو من باب أنه شرط في صحة الغسل. ولا يقال، كما نُقل عن السيد الخوئي رضوان الله تعالى عليه، أن هذا من باب الاستحباب التعبدي. فإنه يقال إن مقتضى المناسبات العرفية وفهم العرف والارتكازية، أنه ليس من جهة الاستحباب التعبدي، بل من جهة تطهير الموضع. ولو فرضنا أن مثل هذه الرواية ليس فيها ما يدل على ذلك، لكن بقية الروايات دلت على استحباب تنقية الفرج إن خرج منه شيء، “فإن خرج منه شيء فنقه”. كما أن الأمر به في الغسلة الثانية والثالثة ليس كما أفاد السيد الخوئي رحمه الله من أنه من جهة الاستحباب التعبدي ولو لم يخرج من فرجه شيء، وإنما مناسبات الحكم والموضوع تقتضي أن غسل الفرج إنما هو من جهة تنقيته، خصوصًا مع التعبير بـ “وتنقيته”. فالتنقية إنما تتضمن وجود شيء صدر فينقيه، وإلا إذا لم يصدر شيء فلا معنى للتنقية. فنفس التنقية متضمنة لهذا المعنى.
ولو فُرض أن الأمر بإدخال اليد إلى الفرج وتنظيفه ليس في ظاهره ما يدل على أنه قد خرج شيء، إلا أن ما ورد في الفقرة السابقة عليها في الغسلة الأولى حيث قال: “فإن خرج منه شيء فنقه بخرقة”، يدل على أنه ليس مستحباً تعبدياً كما أفاد السيد الخوئي، وإنما من جهة التطهير وإزالة عين النجاسة. فالنتيجة أن الروايات الآمرة بإدخال اليد إلى الفرج وتنقيته ليست من باب الاستحباب التعبدي بمعنى أنه حتى لو لم يخرج شيء وليست هناك نجاسة يُستحب فعله. هذا بعيد من جهات عدة: الأولى، مناسبات الحكم والموضوع والمرتكزات العرفية، فإن إدخال اليد إلى الفرج ليس إلا من جهة تنقيته من الأشياء التي تخرج. ثانيًا، ورد في الروايات أنه “تغمز بطنه… فإن خرج منه شيء لف على إيدك خرقة ونقه”، وهذه قرينة أيضاً على أن إدخال اليد إلى الفرج ولمسه ليس إلا من جهة تنقيته عن النجاسة وإزالة عين النجاسة. والقرينة الثالثة التي تمنع من حمله على الاستحباب التعبدي أن هذه المواضع مما يتشدد الشارع في لمسها بلا ضرورة، فأي ضرورة إلى أن يُدخل الإنسان يده إلى فرج المؤمن ويلامسه ولو كان من وراء شيء؟ فالأمر بإدخال اليد إلى الفرج بمقتضى هذا التشدد المعهود من الشارع يناسب أن هناك ضرورة، وليست إلا تنقيته.
إذًا، مقتضى هذه الروايات المتعددة يُستدل بها على وجوب إزالة النجاسة قبل الشروع في الغسلات، بهذا التقريب أن هذه الروايات تقول بوجوب ذلك قبل الشروع في الغسلة الأولى والثانية والثالثة. ولا يقال إنه من باب الاستحباب التعبدي للنكات التي ذكرناها، فمعناه أن هذا واجب شرطي.
الدليل الآخر هو أن القول بكفاية إزالة النجاسة العينية في وقت الغسل نفسه يُعد تداخلًا. يعني أن جري الماء يُقصد به أمران: إزالة حدث الموت الذي أوجب نجاسة البدن، وإزالة النجاسة العرضية أيضًا. وهذا تداخل، والأصل عدم التداخل.
والدليل الرابع هو أنه في غسل الجنابة، ورد في النصوص والفتاوى أنه لا بد من إزالة النجاسة أولاً. ففي صحيحة زرارة الواردة في كيفية الغسل، بعد أن يستبرئ بالبول، ينقي الموضع وما أصابه، ثم يشرع في الغسل. وبضميمة أن غسل الميت كغسل الجنابة، فإذا كان ظاهر هذه النصوص أنه قبل الشروع في غسل الجنابة لا بد من تطهير الموضع، فكذلك في غسل الميت، لا بد قبل الشروع في الأغسال من تطهير البدن كاملًا.
مناقشة أدلة الوجوب الشرطي
ولكن للمناقشة في هذه الوجوه الأربعة مجال. أما الإجماع، فيُرد بأنه على فرض تحققه – مع أنه غير متحقق بنحو يكشف عن وجود دليل معتبر متلقى عن الأئمة – فإن القدماء لم يتعرضوا لمثل هذه المسألة أصلًا. فكيف يُعقل مع عدم تعرض القدماء لهذه المسألة وجود دعاوى إجماع تكشف عن رأي الإمام؟ ولذلك قال في “الجواهر” و”المستمسك” إنه يصعب في هذه المسألة التي اختلفت فيها الكلمات تحصيل إجماع تعبدي. على أن الإجماع واقع في كلمات المتأخرين، فإذًا هذا الإجماع غير ثابت، وعلى فرض تحققه فليس إجماعًا تعبديًا كاشفًا عن وجود دليل معتبر.
وأما الروايات، فمن الصعب جدًا استفادة الوجوب الشرطي منها. فهذه النصوص إما أنها محفوفة بقرائن تدل على أن ذلك ليس إلا من جهة التعبد، كما ذكر السيد الخوئي، أو أنها ليست ظاهرة في الوجوب الشرطي. ففي بعض الروايات، كمرسلة يونس، ما هو واضح في أن الأمر مجرد استحباب تعبدي. فقد ورد فيها الأمر بغسل الفرج وتنقيته دون وجود ما يدل على خروج شيء، مما دفع البعض للقول بأنه حكم تعبدي. ولكن قلنا إن نفس كلمة “نقه” ظاهرة في وجود ما يستدعي التنقية، وهذا يمنع حمله على الاستحباب التعبدي المحض.
والمناقشة الثانية هي أن الأمر يدور بين أن يكون وجوب إزالة النجاسة من باب الوجوب الشرطي، وبين أن يكون من باب أنه أسهل وأيسر. فيُحتمل أن يكون الأمر بإزالة النجاسة عن بدن الميت قبل الشروع في غسله من باب أنه أيسر وأسهل، وتحفظًا من أن تتنجس يد الغاسل. فنحتمل احتمالًا قويًا أن الأمر بغسل النجاسة وإزالتها ليس من باب أنه واجب شرطي في صحة الغسل، وإنما لكونه أيسر وأسهل وتحفظًا من تنجس يد الغاسل. وعليه أيضًا يمكن حمل كلمات الأصحاب الفقهاء الذين قالوا “يجب”، لا بمعنى الوجوب الشرطي، وإنما بمعنى كونه أيسر وأسهل. أقول لو تمت هذه المناقشة في الروايات، لكنها لا تتم في كلمات الفقهاء المتأخرين الذين عبروا بـ “يجب”، فإن مقصودهم ظاهر في الوجوب الشرطي. أما تعابير القدماء التي اشتملت على “ويزيل النجاسة” ونحوها، فيمكن أن تكون من باب أنه أيسر وأسهل.
وأما المناقشة في الوجه الثالث، وهو التداخل، فنقول إن هذا يتم لو لم تكن هناك إطلاقات. مع وجود الإطلاقات الدالة على كفاية غسل البدن من نجاسة الحدث ويغسل فيه النجاسة العرضية، لا مجال للتمسك بأصالة عدم التداخل.