دائم الحدث (المسلوس والمبطون)
نتكلم الآن عن صنف من الناس لديهم ابتلاء وهو دوام واستمرار الحدث منهم، وهذه الحالة قد تكون مرضية، كإنسان -مثلاً- لا يستمسك من البول (أجلكم الله) فيخرج منه قطرات من دون اختيار، أو شخص لا يستمسك من الغائط، فلا يشعر بنفسه إلا وهو يخرج منه غائط أو يخرج منه بول أو يخرج منه مني أو يخرج منه ريح.
لدينا عنوانان: عنوان المسلوس، والمبطون.
تعريف المسلوس والمبطون
المسلوس: هو الذي لا يستمسك من البول، أي لا يسيطر على نفسه من جهة البول، فتخرج منه قطرات، وهذا ليس شكاً بل يقين (هو بول 100%)، ولكن مشكلته لا يستطيع الإمساك، فإذا قيل له اغسل الموضع وتوضأ لكل صلاة تصبح عليه مشقة.
والمبطون: من به داء البطن، وهو الذي لا يستمسك من الغائط أو الريح أحياناً.
ويقول المصنف في المتن: (من استمر به البول -وهو المسلوس- أو الغائط -وهو المبطون- أو النوم ونحو ذلك -كالمني والريح- يختلف حكمه باختلاف الصور الآتية).
صور حالات دائم الحدث
ذكر الأستاذ أن هناك صوراً لحكم من يستمر به الحدث، نناقشها على فرض كل صلاة بصلاتها (كالظهر والعصر):
الصورة الأولى: وجود فترة تسع الصلاة والطهارة
يقول المصنف: (أن يجد فترة في جزء من الوقت). والمقصود بالفترة هنا ليس في طول اليوم، بل بالنسبة لكل صلاة (مثلاً من زوال الشمس إلى الغروب لصلاة الظهر والعصر). فإذا كان لديه فترة (ساعة مثلاً) ينقطع فيها الحدث، ويمكنه أن يأتي في هذا الجزء من الوقت (بالصلاة متطهراً)، ولو كانت الفترة قليلة (بحيث يقتصر على واجبات الصلاة) فقط دون المستحبات.
(ففي هذه الصورة يجب ذلك) أي يجب أن يصلي في هذه الفترة، (ويلزمه التأخير إذا كانت الفترة في أثناء الوقت أو في آخره). أما (إذا كانت الفترة في أول الوقت -أو في أثنائه- ولم يصلِّ حتى مضى زمان الفترة)، فإنه يكون آثماً بتفويته للوقت، ولكن (صحت صلاته إذا عمل بوظيفته الفعلية وإن أثم بالتأخير). ووظيفته الفعلية ستتضح في الصور اللاحقة، أي يصلي كمن لم يجد فترة.
الصورة الثانية: عدم وجود فترة (الحدث المتصل أو بحكم المتصل)
يقول المصنف: (أن لا يجد الفترة المزبورة -أي المذكورة- وكان الحدث من هذا الإنسان متصلاً)، كأن تخرج قطرات بشكل مستمر. (أو كان بحكم المتصل)، ومعنى “بحكم المتصل” أي تأتيه فترة ولكنها قصيرة جداً (دقيقة مثلاً) ووجودها كعدمها، بحيث (يشق عليه تجديد الطهارة كلما خرج منه البول أو غيره). فإذا كلفناه بالوضوء لكل حدث وقع في حرج ومشقة شديدة.
(ففي هذه الصورة) ما هو الحكم؟ يقول المصنف: (يتوضأ) إذا كان حدثه يوجب الوضوء، (أو يغتسل) إذا كان يوجب الغسل كالمتي، (أو يتيمم) حسب وظيفته، ويفعل ذلك مرة واحدة (حسب ما يقتضيه تكليفه الفعلي ثم يصلي)، ولا يعتني لما يخرج منه أثناء الصلاة.
وقد يُشكل البعض بأن خروج المني أو البول أثناء الصلاة يبطلها؟ والجواب: أن هذا الحدث معفو عنه لهذا المريض، (ولا يعتني بما يخرج منه بعد ذلك قبل الصلاة أو في أثناء الصلاة، وهو باقٍ على طهارته ما لم يصدر منه حدث غير ما يخرج منه لأجل مرضه). بمعنى أنه لو أحدث بحدث آخر غير مرضه (كخروج ريح لمن به سلس بول) هنا ينتقض وضوؤه، أما مرضه فهو متسامح فيه.
(وتصح منه حينئذٍ الصلوات الأخرى الواجبة أو المستحبة) بوضوء واحد. (والأحوط الأولى) استحباباً (أن يتطهر لكل صلاة)، و (الأحوط) استحباباً أيضاً (أن يبادر إلى الصلاة بعد الطهارة) فوراً.
الصورة الثالثة: وجود فترة لا تسع الطهارة والصلاة ولا يشق التجديد
يقول المصنف: (أن يكون حدثه بحكم المتصل) كما في الصورة الثانية، (ولكن لا يشق عليه تجديد الطهارة كلما خرج منه البول أو نحو البول من النجاسات). أي ليس لديه مشقة وحرج شخصي (مشقة شخصية) رغم أن الحدث متكرر.
(والأظهر في هذه الصورة أيضاً)، هو نفس الحكم السابق في الصورة الثانية، أي (جواز الاكتفاء بالطهارة مرة واحدة)، (إلا أن الأحوط) استحباباً (تجديد الطهارة حينما يخرج منه البول أو نحوه) بشرط (أن لا يأتي بشيء من منافيات الصلاة).
ومعنى هذا الاحتياط: إذا خرج الحدث أثناء الصلاة ولم تكن هناك مشقة، يقطع القراءة (دون الالتفات أو الكلام)، يتوضأ سريعاً (إذا كان الماء قريباً)، ثم يبني على صلاته ويكملها. (إذا كانت التجديد للطهارة في أثناء الصلاة، فيجدد الطهارة ثم يبني على صلاته من حيث قطعها).
وخلاصة المسألة في المشقة: أن المشقة نوعان، نوعية (عامة الناس) وشخصية. ففي المشقة النوعية لا يضر بصحة الصلاة عدم التجديد، والحكم يدور مدار اليسر ورفع الحرج. (يجب على المسلوس ونحوه أن يتحفظ من تعدي النجاسة إلى بدنه وملابسه مع القدرة عليه) بوضع كيس أو نحوه.