شرح أحكام اللباس في الصلاة: التذكية وأجزاء الحيوان
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الغوي الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، (وصلى الله على محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين).
أحكام اللحوم والجلود في سوق المسلمين
مسألة 229: قاعدة يد المسلم وسوق المسلمين
(اللحم أو الجلد ونحوهما، المأخوذ من يد المسلم، يُحكم عليه بالتذكية، ويجوز أكله والصلاة فيه).
يشير المصنف هنا لمسألة مهمة وهي مسألة ما يُعبر عنه بقاعدة سوق المسلمين. إن كل ما تجده في سوق المسلمين فهو محكوم بالتذكية (أي تذكية اللحم)، وكذلك محكوم بالطهارة وعدم النجاسة. وأيضاً كل ما يقدمه لك المسلم من لحم وغيره، فإن عمل المسلم محمول على الصحة. فإذا كان عملهم يحمل على الصحة، فتكون ذبائحهم محكومة بأنها ذبائح صحيحة وذبح شرعي مضبوط، ولا تشكك ولا تتردد في هذه المسألة.
(إلا إذا عُلم أن المسلم قد أخذه من كافر، وأنه) يعني المسلم (لا يبالي بذلك) يعني بالطهارة والتذكية وغيرها.
وهنا تكمن المشكلة الطامة الكبرى التي عندنا؛ الموجود الآن من اللحوم لو أني أعلم أنه يذبحه ذبحاً شرعياً فلا مشكلة، ولكن توجد شبهتان: شبهة الاستيراد من دول الغرب، والشبهة الأخرى أن الذباحة التي عندنا ذباحة غير صحيحة.
أما شبهة الاستيراد، فإن اللحوم تستورد من الدول الكافرة. وسوق المسلمين الآن سوق لا يتورع من جهة الحلال والحرام ومن جهة الطهارة والنجاسة، كل نظره إلى الجانب الاقتصادي ومقاييس الربح والخسارة. فإذا علمنا بعدم مبالاتهم، فلا يحق لنا الحكم بالتذكية لأن الحلال اشتبه بالحرام.
أحكام ما أُخذ من الكافر أو مجهول الحال
مسألة 230: حكم المأخوذ من الكافر
(اللحم أو الجلد ونحوهما، المأخوذ من الكافر، أو المأخوذ من شخص يجهل أنه مسلم أو كافر، أو موجود في بلاد الكفر) هذه الثلاثة؛ المأخوذ من كافر، أو مجهول الحال، أو في بلاد الكفر (لا يجوز أكله ولا تصح الصلاة فيه).
الأصل هو عدم التذكية. إذا شككنا بالتذكية وعدم التذكية فالأصل عدم التذكية، ولكن إذا شككنا بالطهارة والنجاسة فالأصل الطهارة. ومن هنا، هذه الدجاجة التي تأخذها من الكافر، إذا علمت أنها لم تذبح بالطريقة الشرعية فهذه ميتة نجسة ولا يجوز أكلها. لكن إذا احتملت أنه ذكاها (احتمالاً)، فمن جهة الطهارة تعتبر طاهرة لأنك لم تتيقن نجاستها، لكن من جهة الأكل وعدم الأكل تحكم بعدم التذكية (حرمة الأكل)، وبالتالي لا تصح الصلاة فيه.
مسألة 231: الشك في كون الشيء جلداً
(تجوز الصلاة فيما لم يُحرز أنه جلد، وإن أُخذ من يد الكافر).
المشكلة هي مشكلة التذكية، أما مشكلة الطهارة والنجاسة فمحلولة كما ذكرنا، ويمكن الحكم بأصالة الطهارة. فإذا جاءوا بشيء من الكفار، وهذا الشيء إذا كان جلداً سيتوقف على تذكية شرعية، أما إذا لم يكن جلداً (ليس ذباحة شرعية) مثلاً جلد صناعي أو مادة أخرى، وأنا أشك هل هذا جلد أم لا؟ فإذا لم يكن جلداً فمشكلتي ليست مشكلة تذكية، فالأصل الطهارة. ولهذا قال المصنف تجوز الصلاة فيما لم يحرز أنه جلد وإن أخذ من يد الكافر.
الصلاة في ثوب الميتة والجهل بالحكم
مسألة 232: الجهل بكون الثوب ميتة
(إذا صلى في ثوب جهلاً، ثم علم أن هذا الثوب كان ميتة) يعني أجزاء الميتة (صحت الصلاة) لأنه جاهل.
(وأما إذا نسي ذلك) أي نسي أنه ميتة وصلى به (وتذكره بعد الصلاة، فإن كان الثوب مما تتم فيه الصلاة) أي ساتراً للعورة (وكانت الميتة نجسة) وهي التي لها نفس سائلة (أعاد الصلاة).
نعيد الصلاة بحالتين: إذا كان الثوب مما تتم به الصلاة، وكانت الميتة نجسة. أما إذا كان الثوب لا تتم فيه الصلاة (لا يستر العورة)، أو كانت الميتة طاهرة (كميتة السمك التي ليس لها نفس سائلة)، (وإلا) أي إن لم يكن الثوب تتم فيه الصلاة أو كانت الميتة طاهرة (لم تجب الإعادة).
الشرط الرابع: الصلاة في أجزاء ما لا يؤكل لحمه
الشرط الرابع مما يشترط في ملابس المصلي: (أن لا يكون لباس المصلي مما لا يؤكل لحمه).
من الحيوان، ولا فرق هنا بينما تتم الصلاة فيه وما لا تتم، سواء كان ساتراً للعورة أو غير ساتر. هذا الشرط يختلف عن الشرط الثالث (الميتة). في الميتة قلنا إذا صليت بالميتة باطلة صلاتك (وهذا هو الشرط الثالث). المذكى (الطاهر) ينقسم قسمين: مذكى مأكول اللحم (كالشاة)، ومذكى غير مأكول اللحم (كالأسد، النمر، الثعلب). المذكى غير مأكول اللحم، حتى لو ذكيته وصار جلده طاهراً، لا يجوز الصلاة فيه لأنه غير مأكول اللحم.
استثناءات: الخز والسنجاب
(ويستثنى من ذلك حيوانان: الخز والسنجاب).
الخز في روايات الأئمة حيوان يخرج من الماء وله مواصفات خاصة، والفقهاء يقولون هذه المواصفات تنطبق على ما يسمى الآن بـ “كلب الماء”. والسنجاب معروف. فهذان الحيوانان (الخز والسنجاب) يجوز الصلاة في وبرهما وجلدهما رغم أنهما مما لا يؤكل لحمه، وذلك للنص الخاص.
مسألة 233: الصلاة في شعر الإنسان
(لا بأس بالصلاة في شعر الإنسان من نفس المصلي أو غيره).
قد يسأل سائل: شعر الإنسان (مثل الباروكة) هل يجوز الصلاة فيه؟ الجواب نعم، لأن الإنسان ليس مما لا يؤكل لحمه بمعنى التحريم المستوجب لبطلان الصلاة في أجزائه، بل هو خارج عن هذا العنوان. نعم، من جهة الوضوء يجب نزع الباروكة للمسح على الرأس، لكن من جهة الصلاة لو صلى وفي جيبه شعر إنسان أو يلبس باروكة، فالصلاة صحيحة.
فضلات الحيوان وما لا تحله الحياة
مسألة 234: الصلاة فيما لا تحله الحياة
(لا بأس بالصلاة في فضلات الحيوان الذي لا لحم له) وإن كان محرم الأكل، مثل (كدم البق، ودم البرغوث، ودم القمل، ونحو ذلك).
هذه الحشرات وإن كانت محرمة الأكل، لكن ليس لها لحم عرفاً، فلو صلى الإنسان وفي ثوبه دم بق أو برغوث، فالصلاة صحيحة، مع ملاحظة طهارة الدم من عدمه (وهو طاهر لأنه مما لا نفس له سائلة)، ومن جهة كونه جزءاً من غير المأكول فهو مستثنى.
(وكذلك وبرهما) أي وبر وجلد الحيوان (ما لم يمتزج بوبر غيرهما مما لا يؤكل لحمه).
وكذلك (لا بأس بالصلاة في شعر الإنسان) كما ذكرنا سابقاً.
(والأحوط أن لا يصلي فيما نُسج منه) أي من شعر الإنسان (وإن كان الأظهر جوازه أيضاً). فالأحوط استحباباً ترك الصلاة فيما نسج من شعر الإنسان، لكن الفتوى بالجواز.
(ولا بأس بالصلاة فيما يُحتمل أنه من غير المأكول).
إذا شككت في ثوب أو قماش هل هو من حيوان مأكول اللحم أو غير مأكول، أو هل هو من حيوان أصلاً أو من قطن، فالأصل الجواز ولا يجب الفحص، وتصح الصلاة فيما يُحتمل أنه من غير المأكول ما لم تعلم بذلك.