أحكام التيمم ومواضع وجوبه
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين.
مشروعية التيمم ومواضعه
ذكرنا في الدرس السابق أن التيمم طهارة اضطرارية، وهذه الطهارة تكون عند عدم التمكن من استعمال الماء، مصداقاً لقوله تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا). والمراد بـ (لم تجدوا) ليس مجرد عدم وجود الماء حسياً، بل عدم التمكن من استعماله، فقد يكون الماء موجوداً ولكن المكلف لا يستطيع استعماله لمرض أو غيره.
يقول المصنف في المتن: (يصح التيمم بدلاً عن الغسل أو بدلاً عن الوضوء في تسعة مواضع). وهذه المواضع التسعة هي موارد الجواز بالمعنى الأعم الذي يشمل الوجوب، ففي هذه الموارد إذا جاز التيمم وجب، وهناك قاعدة فقهية تقول: “كل ما أمكن له وجب”، أي إذا عجز عن الطهارة المائية وتمكن من الترابية وجب عليه الانتقال إليها.
الموضع الأول: عدم وجدان الماء
الموضع الأول من المواضع التسعة هو: (الأول: ما إذا لم يجد من الماء مقدار ما يفي بوظيفته الأولية من غسل أو وضوء). فإذا لم يجد المكلف الماء الكافي لوظيفته، سواء كانت الوضوء للمحدث بالأصغر أو الغسل للمحدث بالأكبر، وجب عليه التيمم. ولكن لا ينتقل الحكم مباشرة بمجرد عدم رؤية الماء، بل هناك شرط أساسي ذكره المصنف.
وجوب الفحص عن الماء
يقول المصنف: (ويجب الفحص عن الماء إذا احتمل وجوده). الفحص يختلف باختلاف المكان، ففي الحضر (المدن) يختلف عنه في البرية (الصحراء).
- في البرية (السفر): وردت النصوص بوجوب الفحص بمقدار “غلوة سهم” في الأرض الحزنة (الوعرة)، و”غلوة سهمين” في الأرض السهلة (المنبسطة) في الجهات الأربع. وقد حدد العلماء غلوة السهم بـ 220 متراً تقريباً، فتكون غلوة السهمين 440 متراً. فإذا بحث في هذه المسافة ولم يجد ماءً، جاز له التيمم.
- في الحضر (المدن): المدار هنا ليس على المسافة، بل على حصول اليأس من وجود الماء. فإذا انقطع الماء، لا يصح التيمم فوراً إلا بعد التأكد واليأس من وجوده، ولو بطلبه من الجيران أو شرائه، مالم يكن في ذلك حرج أو ضرر.
أحكام تعذر الفحص
يقول المصنف: (ويسقط وجوب الفحص عند عدم التمكن منه لضيق الوقت أو لغيره). فإذا كان الوقت ضيقاً بحيث لو بحث عن الماء لخرج وقت الصلاة، سقط وجوب الفحص وتيمم وصلى، وتكون صلاته صحيحة، ولا تجب عليه الإعادة إلا إذا تبين بطلان تيممه بظهور تقصيره في الشروط.
أما إذا تيمم المكلف من غير فحص فيما يلزم فيه الفحص، يقول المصنف: (بطل تيممه، إلا إذا تمشى منه قصد القربة وانكشف واقًعا أن الماء لم يكن، أو أنه لم يكن يصل إليه لو طلب). يعني لو تيمم شخص متكاسلاً عن البحث، ففعله باطل، إلا إذا تحققت نية القربة وتبين لاحقاً أنه فعلاً لم يكن هناك ماء، فحينها يصح تيممه، لأن الأمر دائر مدار الواقع.
الموضع الثاني: الخوف على النفس أو العرض أو المال
الموضع الثاني: (ما إذا خاف المكلف على نفسه أو عرضه أو ماله المعتد به). فلو كان الماء موجوداً ولكن الوصول إليه يعرض المكلف للخطر، كوجود سبع أو عدو، أو الخوف على العرض، أو الخوف على سرقة ماله المعتد به عرفاً، جاز له التيمم.
ضوابط التشريع والنية
وهنا نعرج على مسألة نية التشريع والبدعة. لا يجوز للإنسان أن يشرع من عنده أو يبتدع عبادة لم يرد بها نص بقصد أنها من الدين. فمثلاً، من يقوم بأفعال في الشعائر الحسينية كـ “اللطم” أو غيره، إذا فعلها بنية أنها جزء من الدين ومنصوص عليها بخصوصها دون دليل، فهذا تشريع محرم. أما إذا فعلها بنية تعظيم الشعائر وذكر الله ومواساة أهل البيت (عليهم السلام) بعنوان رجاء المطلوبية، فهذا جائز ويؤجر عليه، لأن النية هي الفارق بين البدعة والطاعة.
الموضع الثالث: الخوف من الضرر
الموضع الثالث: (ما إذا خاف المكلف من استعمال الماء ضرراً على نفسه). كالخوف من حدوث مرض أو زيادته أو بطء برئه، أو الخوف من العطش المؤدي للهلاك أو الضرر الشديد له أو لمن يرتبط به شأناً. في هذه الحالات يسقط الوضوء أو الغسل وينتقل الفرض إلى التيمم.