عنوان الدرس:

أحكام ابتلاع الصائم للمفطرات أثناء الصلاة ومسألة التزاحم

اسم الأستاذ:

الشيخ محمد العبيدان

اسم الدورة: فقه الصوم 2025-2026
تسلسل الدرس 54
تاريخ الدرس 18/12/2025
بسم الله الرحمن الرحيم
00:00 --:--

أحكام ابتلاع الصائم للمفطرات أثناء الصلاة ومسألة التزاحم

لا زال الكلام مستمراً في الحديث حول الفروع المرتبطة بتعمد القيء، وقد عرفت تعرض السيد الماتن (قدس الله تربته الطاهرة) لمجموعة منها، كان آخر ما تعرضنا إليه مسألة جواز التجشؤ اختياراً، وقد أشرنا إلى أن داعي عرض هذه المسألة -وفقاً لما جاء في كلام العلمين الجليلين السيد المستمسك والسيد المستند رضي الله تعالى عنهما- داعي عرض المسألة وجود احتمالين عرضناهما وعرضنا الشقوق المرتبطة بهما، وانتهينا في نهاية المطاف إلى البناء تكليفاً على جواز التجشؤ وإن احتمل خروج شيء، ووضعاً على صحة الصوم وعدم فساده.

يقع الكلام فعلاً في المسألة 75: (إذا ابتلع شيئاً سهواً فتذكر قبل أن يصل إلى الحلق وجب إخراجه وصح صومه، وأما إن تذكر بعد الوصول إليه فلا يجب، بل لا يجوز). عفواً، المسألة 76، تلك المسألة عرضناها في الجلسة الماضية.

حكم ابتلاع ما يدخل الفم أثناء الصلاة

مسألة 76: (إذا كان الصائم بالواجب المعين مشتغلاً بالصلاة الواجبة، فدخل في حلقه ذباب أو بق أو نحوهما، أو شيء من بقايا الطعام الذي بين أسنانه، وتوقف إخراجه على إبطال الصلاة بالتكلم بـ “أخ” أو بغير ذلك؛ فإن أمكن التحفظ والإمساك إلى الفراغ من الصلاة وجب)، يعني أمكنه أن يوقف الشيء الذي قد دخل إلى حلقه فلا ينزل إلى جوفه وجهازه الهضمي. (وإن لم يمكن ذلك ودار الأمر بين إبطال الصوم بالبلع أو الصلاة بالإخراج؛ فإن لم يصل إلى الحد من الحلق كمخرج الخاء، وكان مما يحرم بلعه في حد نفسه كالذباب ونحوه، وجب قطع الصلاة بإخراجه ولو في ضيق وقت الصلاة. وإن كان مما يحل بلعه في ذاته كبقايا الطعام، ففي سعة الوقت للصلاة -ولو بإدراك ركعة من الوقت- يجب القطع والإخراج، وفي الضيق يجب البلع وإبطال الصوم تقديماً لجانب الصلاة لأهميتها. وإن وصل إلى الحد، فمع كونه مما يحرم بلعه وجب إخراجه بقطع الصلاة وإبطالها على إشكال، وإن كان مثل بقايا الطعام لم يجب، وصحت الصلاة وصح صومه على التقديرين لعدم عد إخراج مثله قيئاً).

فروع المسألة عند السيد الماتن

يتعرض السيد الماتن (قدس الله تربته الطاهرة) في هذه المسألة إلى فروع ثلاثة:

الفرع الأول: إذا دخل شيء ما دون الحلق، فإنه يحرم بلعه ويجب عليه حينئذ إخراجه.

الفرع الثاني: إذا كان الداخل في الفم قد وصل إلى حد الحلق، كالطعام الموجود بين الأسنان مثلاً. طبعاً سوف يلحظ إن كان مما يحرم بلعه في حد نفسه كالذباب، أو يحل بلعه مثل الطعام الموجود بين الأسنان.

الفرع الثالث: ما إذا وصل إلى الحد من الحلق وكان محرم البلع.

تحليل الفرع الأول: دخول شيء دون الحلق

نبدأ بالفرع الأول، وهو ما إذا دخل شيء ما دون الحلق، فهنا يحرم بلعه كالذباب مثلاً أو ما شابه، فيدور أمره بين بلعه ما يجعل صومه باطلاً، وبين إخراجه، وإخراجه لا يمكن إلا من خلال التكلم بكلام الآدمي ولو من خلال كلمة “أخ” -وهي حرفان، كلمة مفهمة- هذا يستلزم بطلان الصلاة.

فحينئذٍ، إن تمكن من الحفاظ على صلاته وصومه معاً، وذلك بأن يتحفظ ويمسك به دون أن يبلعه إلى أن ينتهي من الصلاة، فلا يبطل الصلاة بكلام الآدميين ثم يعمد إلى إخراجه -والذي لن يكون مانعاً من صحة صومه- فيجب عليه ذلك.

دوران الأمر بين إبطال الصوم أو الصلاة

أما إذا لم يتمكن من التحفظ والإمساك به إلى حين الفراغ من الصلاة، وكان الوقت ضيقاً، ودار الأمر بين إبطال الصوم بالبلع، وبين إبطال الصلاة بإخراجه. اختار السيد الماتن (قدس الله تربته الطاهرة) في المقام وجوب تقديم الصوم على الصلاة، فيجب عليه قطع الصلاة بإخراجه والحفاظ على الصوم. لماذا؟

لدوران الأمر بين إبطال الصوم وأكل المحرم مجتمعين، وبين إبطال الصلاة فقط. هنا أمران، وهنا أمر واحد. فيرجح أهمية المجموع وهو: الحفاظ على الصوم والاجتناب عن بلع الحرام في الصلاة -إما جزماً أو احتمالاً- ولأجل ذلك يجب على المكلف أن يبطل صلاته وأن يقطعها، فيخرج الذي ابتلعه من ذباب أو بعوض أو ما شابه، ثم يعود بعد ذلك إلى الإتيان بصلاته. هكذا قرر صاحب العروة.

رأي السيد الخوئي في المسألة (التزاحم)

السيد الخوئي (رضي الله تعالى عنه) أشار كما ذكرنا بأن المقام من صغريات التزاحم، وهو تزاحم بين مجموع الأمرين من طرف الصوم وبين الحفاظ على الصلاة. قال: لأن الأمر دائر بين الحفاظ على الصوم والاجتناب عن الحرام ببلع الذباب أو البق مثلاً أو غيرهما من الحشرات، وبين الحفاظ على الصلاة فقط. والحفاظ على مجموع الأمرين أهم من الصلاة جزماً أو احتمالاً، على كلا التقديرين لا بد من تقديم مجموع الأمرين؛ لأن محتمل الأهمية مقدم على المهم في باب التزاحم.

مناقشة دليل حرمة قطع الصلاة

هنا ينبغي أن نقف. أولاً: ما هو الدليل على حرمة قطع الصلاة؟ دليلكم على حرمة قطع الصلاة لن يخرج عن أحد أمرين: إما الإجماع أو الرواية. خلونا مع الإجماع. إذا قلنا بأن الدليل على حرمة قطع الصلاة -كما هو المعروف والمشهور بين الأعلام- عمدة دليله هو الإجماع؛ سوف يقرر بانه لا يمكن إثبات حرمة قطع الصلاة حينئذٍ. ولذا يمكن الإفتاء بعدم المنع من قطع الصلاة وإبطالها، ولا يكون قطعها حينئذٍ محرماً.

إذ عمدة الدليل -كما سمعت- هو الإجماع، والإجماع لو لم يكن محتمل المدركية فإنه يشكك في صغراه من أنه إجماع محصل كاشف عن قول المعصوم (عليه السلام) أو عن الارتكاز المتشرعي. بناءً على هذا سوف نقول: إذا كان المكلف في سعة الوقت يتعين عليه قطع الصلاة، ومن خلال إخراج ما ابتلعه ولو كان مستوجباً الكلام بكلام الآدميين، ويجب عليه الحفاظ على الصوم والاجتناب عن ابتلاع الحرام.

نحن متفقون مع السيد الخوئي، عمدة الخلاف بيننا وبين السيد الخوئي في نقطة: أن السيد الخوئي جعل قطع الصلاة بلحاظ تقديم الأهم على المهم مع ثبوت دليل حرمة قطع الصلاة. بينما نحن دعوانا: لا، ليس المورد مورد تزاحم أساساً، لأنه يجوز ابتداءً قطع الصلاة، ولا معنى لأن يقال بأن في المقام مزاحمة.

في حال ضيق وقت الصلاة

أما إذا كان وقت الصلاة ضيقاً، بحيث لو قطع المكلف الصلاة لن يتمكن من الإتيان بها في وقتها، بل لا بد من الإتيان بها خارج الوقت قضاءً. فهنا هل يمكن الالتزام بجواز قطع الصلاة أيضاً والحفاظ على الصوم، والالتزام بالامتناع عن الابتلاع؟

الظاهر من السيد اليزدي (رضي الله تعالى عنه) البناء على قطع الصلاة والحفاظ على الصوم، وهذا المعنى أيضاً اختاره السيد الخوئي (قدس الله تربته) وفاقاً لما في العروة: (ولو في ضيق وقت الصلاة)، يعني وجب عليه قطع الصلاة من أجل الحفاظ على الصوم والامتناع عن ابتلاع ما يحرم ابتلاعه.

لماذا؟ لذات النكتة؛ لأن تقديم المجموع أهم من تقديم الصلاة. لكن يمكن البناء على خلاف هذا الأمر، ففي ضيق الوقت قد نلتزم بأن الواجب هو تقديم الصلاة على الصوم وابتلاع الحرام. لماذا؟ لأن الصلاة أهم من الصيام المقرون بالاجتناب عن الحرام؛ لأن الآيات والروايات تدل على اهتمام الشارع المقدس بالصلاة، وتدل على أن الصلاة لا تترك في وقتها بأي حال من الأحوال. فالمحافظة على الصلاة أهم من المحافظة على الصوم والاجتناب عن أكل الحرام -مثل الذباب أو ما شابه- قطعاً أو احتمالاً.

مناقشة حرمة أكل الخبائث في المقام

بل يمكن نقض على السيد الخوئي. ما هو الدليل على حرمة أكل الذباب؟ عمدة الدليل على أكل حرمة الذباب أنه من الخبائث، والمفروض -كما قدمنا فيما مضى- أن سيدنا (رضي الله تعالى عنه) لا يرى أن قوله تعالى: (ويحرم عليهم الخبائث) ناظر إلى الأعيان، وإنما ناظر إلى الأفعال. فبالتالي قال لا يوجد عندنا دليل عام يدل على حرمة تناول الخبائث. لو بنينا على عدم وجود دليل على حرمة تناول الحشرات أيضاً، لا يكون عندنا في المقام دليل يدل على أن ابتلاع الذباب حرام، فصار الصوم مقابل الصلاة، والصلاة جزماً أهم من الصوم، فما ذكرناه هو المقدم.

التمرير إلى الأعلى