بحث الأصول 2025-2026م

شرحٌ لكتاب خارج الأصول
عدد الدروس 4 درس
الشيخ محمد العبيدان
مدرس المادة

الشيخ محمد العبيدان

موضوع الدرس: مناقشة أدلة المحقق النائيني على استحالة جعل حكم شرعي للتجري، مع التركيز على ردود السيد الشهيد الصدر والسيد الخوئي.

الأفكار الرئيسية

1. عرض إشكالات المحقق النائيني الثلاثة:
الدرس يستكمل بحث إمكان تطبيق الملازمة في مسألة التجري، ويعرض المناقشات حول كلام المحقق النائيني الذي استدل على استحالة جعل حكم للتجري بثلاثة فروض أو إشكالات.

2. مناقشة السيد الشهيد الصدر للفرضين الأول والثاني:
– الفرض الأول (لزوم أخذ المتأخر في موضوع المتقدم): رد عليه السيد الشهيد بقياس المسألة على “حجية الخبر مع الواسطة”، مبينًا جواز ذلك في “عالم المجعولات والأحكام الفعلية”.
– الرد على السيد الشهيد: المحاضر يرى أن هذا الرد غير تام لأن كلام النائيني كان في “عالم الجعل” وليس “عالم المجعول”.
– الفرض الثاني (اشتراط الوصول التفصيلي للحكم): رد عليه السيد الشهيد بأن الوصول الإجمالي كافٍ. ويحصل هذا العلم الإجمالي إما بالعلم بحرمة الخمر واقعًا أو بحرمة التجري.
– الرد على السيد الشهيد: المحاضر يرى أن هذا العلم الإجمالي “منحل” بوجود منجز سابق (وهو دليل حرمة الخمر الواقعي)، فلا يكون حجة.

3. مناقشة الفرض الثالث (لزوم اجتماع المثلين):
تناول المحاضر جوابين على هذا الإشكال، أحدهما من السيد الخوئي والآخر من السيد الشهيد الصدر.

– جواب السيد الخوئي:
– الإشكال الأول: يمكن تصوير افتراق الحكمين، كأن يعلم المكلف بحكم “مقطوع الخمرية” دون علمه بحكم “الخمر الواقعي”. وقد تعجب السيد الشهيد من هذا الجواب.
– الإشكال الثاني: العلاقة بين الحكمين يمكن أن تكون “عمومًا مطلقًا” (كالنذر بالواجب)، مما لا يؤدي إلى محذور، بل إلى تأكد الحكم.

– رد السيد الشهيد على السيد الخوئي:
– يرى السيد الشهيد أن نقض السيد الخوئي بالنذر ليس تامًا لأنه يخلط بين “وجوب الوفاء بالنذر الخاص” (فعلية المجعول) و”وجوب الوفاء بالنذر مطلقًا” (الجعل الكلي).

– جواب السيد الشهيد الصدر على النائيني:
– النقض الأول: النسبة بين الحكمين في نظر القاطع ليست دائمًا “عمومًا مطلقًا” بل “عموم من وجه”.
– النقض الثاني: لا توجد استحالة في جعل حكمين بينهما عموم مطلق، مستشهدًا بأمثلة فقهية كالأمر بعتق رقبة ثم الأمر بعتق رقبة مؤمنة.

4. حل المحاضر لإشكال اجتماع المثلين:
يقترح المحاضر حل الإشكال عبر تفصيله على ثلاثة مستويات، مبينًا عدم لزوم اجتماع المثلين في أي منها:
– عالم الجعل: لا اجتماع للمثلين لأن لحاظ العام ولحاظ الخاص مختلفان.
– عالم المجعول: لا اجتماع لأن عالم المجعول (حسب رأي السيد الشهيد) وهمي.
– عالم المحركية والامتثال: لا اجتماع لأن لكل حكم محركيته وأثره الخاص.

خاتمة الدرس
ينتهي المحاضر إلى أن جواب السيد الشهيد الصدر على المحقق النائيني صحيح من جهة وغير صحيح من جهة أخرى، وهو ما سيتم بحثه في الدرس القادم.

ملخص الدرس: أدلة حرمة التجري من النصوص القرآنية

الموضوع الرئيسي

– مناقشة الدليل الرابع على حرمة التجري شرعًا، وهو الاستدلال بالنصوص الدينية، مع التركيز في هذا الدرس على الآيات القرآنية.

الآية الأولى: سورة البقرة (الآية 284)

– الاستدلال: الآية تنص على أن الله يحاسب الإنسان على ما في نفسه، سواء أبداه أو أخفاه. وبما أن “ما في النفس” يشمل نية السوء، والتجري هو نية سوء، فإن الآية تدل على استحقاق العقاب عليه، وبالتالي حرمته.

– الردود والاعتراضات على الاستدلال:
1. الآية لبيان سعة علم الله: المستفاد من الآية هو بيان علم الله المطلق بالسر والعلن، وليس أنها تعاقب على كل ما يضمره الإنسان في نفسه. بعض الأمور القلبية فقط تستوجب العقاب (كالكفر وبغض أولياء الله)، وليس كل نية سيئة عابرة. تم الاستشهاد بكلام المفسر الشيخ جواد آملي لدعم هذا الرأي.
2. التجري ليس نية سيئة بالمعنى الدقيق: المتجري لا ينوي ارتكاب الحرام الواقعي، بل يتصرف بناءً على اعتقاد خاطئ. لذا، لا ينطبق عليه عنوان “نية المعصية” بشكل مباشر.
3. وجود نصوص مقيِّدة: حتى لو سلمنا بإطلاق الآية، فهناك روايات أخرى تقيد هذا الإطلاق، حيث تبين أن الله لا يعاقب على مجرد النية ما لم تتحول إلى فعل.
4. السياق هو امتثال الأمر: قد يكون العقاب المذكور مرتبطاً بكون النية جزءاً من عملية العصيان لحكم شرعي مقطوع به، وليس عقاباً مستقلاً على النية ذاتها. تم الاستشهاد بكلام السيد السبزواري الذي يقسم الأمور النفسية إلى مراتب، مؤكداً أن العقاب لا يكون إلا على العمل الخارجي.

الآية الثانية: سورة النور (الآية 19)

– الاستدلال: الآية تتوعد بـ “عذاب أليم” الذين “يحبون” أن تشيع الفاحشة. بما أن الحب حالة قلبية، والمتجري لديه هذا القصد، فيستحق العقاب.

– الردود والاعتراضات:
1. الحب العملي لا القلبي: المقصود بـ “الحب” في الآية هو السعي العملي لإشاعة الفاحشة، وليس مجرد الشعور القلبي.
2. لا ملازمة بين العزم والحب: قد يعزم الإنسان على المعصية بسبب ضعف أو غلبة شهوة، دون أن يكون محباً للمعصية ذاتها.
3. الآية خاصة بإشاعة الفاحشة: مورد الآية هو حب اشتهار الفواحش في المجتمع المؤمن، ولا يمكن تعميمها على كل نية معصية.

الآية الثالثة: سورة القصص (الآية 83)

– الاستدلال: الآية تجعل الدار الآخرة للذين “لا يريدون” علواً وفساداً. بمفهوم المخالفة، فإن من “يريد” الفساد لا حق له في الدار الآخرة (الجنة). والإرادة فعل قلبي، والمتجري يريد فعل المعصية.

– الردود والاعتراضات:
1. الإرادة كناية عن الفعل: “إرادة الفساد” هي كناية عن السعي العملي بالفساد، وليست مجرد النية المجردة.
2. الآية خاصة بالعلو والفساد: الآية تتحدث عن نوعين محددين من الذنوب (العلو والفساد في الأرض)، ولا تشمل مطلق نية المعصية.

آيات أخرى ومناقشتها

– تم ذكر آيات أخرى بشكل مختصر، مثل قوله تعالى “فلم قتلتموهم” و”تطلع على الأفئدة” و”كل أولئك كان عنه مسؤولا”، مع الإشارة إلى أن دلالتها أضعف وتعتمد بشكل كبير على تفسيرها بروايات معينة.

الخلاصة النهائية للدرس

– يخلص المحاضر إلى أن الاستدلال بالآيات القرآنية المذكورة لإثبات حرمة التجري شرعاً غير تام ولا يصلح كدليل قاطع.
– تمهيد للدرس القادم: سيتم الانتقال لمناقشة الطائفة الثانية من النصوص الدينية وهي الروايات، والتي تعتبر المحور الأهم في هذا الباب.

### الموضوع الرئيسي: الاستدلال على حرمة التجري شرعًا بالروايات

يناقش الدرس الأدلة الروائية على حرمة التجري، مع التركيز على الأقسام المختلفة للتجري كما فصلها الشيخ الأعظم الأنصاري، وكيفية انطباق الروايات عليها.

### إشكال حول تعريف التجري وأقسامه

– **الإشكال**: طُرح إشكال مفاده أن الأجوبة السابقة على أدلة حرمة التجري من الآيات لا تشمل جميع تعريفات التجري، خاصة التعريف الذي يرى التجري مجرد “نية المعصية”.
– **أقسام التجري عند الشيخ الأنصاري**: استعرض المحاضر ستة أقسام للتجري ذكرها الشيخ الأعظم، وهي:
1. مجرد القصد إلى المعصية.
2. القصد مع الاشتغال بمقدمات المعصية (كمن يشتري الخمر ليشربه).
3. القصد مع التلبس بما يعتقد أنه معصية (كمن يشرب ماءً معتقدًا أنه خمر).
4. التلبس بما يحتمل كونه معصية رجاء تحققها.
5. التلبس بما يحتمل كونه معصية لعدم المبالاة بالوقوع في الحرام.
6. التلبس مع رجاء ألا يكون معصية وخوف أن يكونها.
– **دفاع عن منهج الشيخ الأنصاري**: يرى المحاضر أن الشيخ الأعظم وسّع مفهوم التجري ليشمل “مجرد النية” بناءً على فهمه للنصوص الشرعية (الروايات) التي تدل على المحاسبة على النية، وليس بناءً على الاصطلاح الأصولي أو العقلي الشائع الذي يحصر التجري في الفعل الخارجي.

### الطائفة الأولى من الروايات: نية المؤمن والكافر

– **الدليل**: رواية “نية المؤمن خير من عمله ونية الكافر شر من عمله”.
– **وجه الاستدلال**: بما أن الكافر معاقب على عمله، ونيته شُرٌّ من عمله، فإن العقاب يثبت على النية من باب أولى. وهذا ينطبق على المتجري الذي يقدم على المعصية بنية سيئة.
– **مناقشة الدليل**: تم طرح رأيين يضعفان هذا الاستدلال:
1. **الرواية إرشادية لا تأسيسية**: قد لا تكون الرواية في مقام تأسيس حكم تعبدي بالعقاب على النية، بل هي إرشاد إلى القاعدة القرآنية في قوله تعالى: “قل كل يعمل على شاكلته”، أي أن نية الإنسان تنبع من طبيعته النفسية (شاكلته).
2. **النية أوسع من العمل**: قد يكون معنى الرواية أن نطاق نيات المؤمن الصالحة أوسع مما يستطيع تحقيقه من أعمال، وكذلك نيات الكافر السيئة أوسع مما تتاح له الفرصة لفعله، فلا تدل بالضرورة على العقاب على مجرد النية.

### الطائفة الثانية من الروايات: الخلود في الجنة والنار بالنيات

– **الدليل**: رواية أبي هاشم التي تفيد بأن خلود أهل النار في النار وخلود أهل الجنة في الجنة مبني على نياتهم الأبدية في الدنيا (نية العصيان الأبدي أو الطاعة الأبدية).
– **وجه الاستدلال**: ظاهر الرواية يثبت أن موجب الاستحقاق والعقاب هو “النية”، مما يدعم فكرة العقاب على التجري بمعنى نية المعصية.
– **مناقشة الدليل**:
1. **ضعف السند**: الرواية ضعيفة من حيث السند لوجود رواة مجاهيل.
2. **أجنبية عن المقام**: الرواية ليست في مقام إثبات حرمة التجري، بل في مقام بيان “سنة إلهية”، وهي أن النية المستمرة إذا تحولت إلى “مَلَكَة” راسخة في النفس، فإنها تحدد مصير الإنسان، وهذا يختلف عن الحكم على نية عابرة للمعصية.

الموضوعات الأساسية:

  • الأقوال الثلاثة في حجية قطع القطّاع.
  • التفصيل بين المنجزية والمعذرية وأدلته.
  • مناقشة رأي المحقق العراقي والسيد الروحاني.
  • قياس الوصول العلمي على القدرة (الحدوث والبقاء).
  • دور المقدمات العقلائية في حجية القطع.

الأفكار الرئيسية:

  • التفصيل بين المنجزية والمعذرية: ذهب فريق من العلماء إلى أن قطع القطّاع حجة في تنجيز التكليف عليه، ولكنه ليس حجة في التعذير إذا أخطأ الواقع، نظراً لتقصيره في المقدمات أو سوء اختياره.
  • حجة العلم الإجمالي: يستند القائلون بالتفصيل إلى وجود علم إجمالي لدى القطّاع بأن بعض قطوعاته خاطئة، مما ينجز عليه الواقع. وقد نوقش هذا بأن العلم الإجمالي يزول بمجرد حصول القطع التفصيلي (الفعلي) ولو كان خاطئاً.
  • القدرة والوصول: طرح الأستاذ بحثاً مقارناً بين القدرة و الوصول؛ فإذا كفت القدرة الحدوثية لتوجيه الخطاب والعقاب، فإن الوصول الحدوثي (العلم الإجمالي السابق) يكفي للتنجيز حتى لو زال لاحقاً. أما إذا اشترطنا البقاء والاستمرار، فإن حجة التفصيل تبطل.
  • نقد الاستدلال بالوكالة: تم نقد مثال الوكيل الذي يشتري بأزيد من القيمة اعتماداً على قطع غير متعارف، بأنه يخص القطع الموضوعي، بينما البحث في القطع الطريقي.

الاقتباسات والأقوال:

  • نقل الأستاذ عن المحقق العراقي قوله في تبرير عدم المعذرية: “فيراد من ذلك عدم اعتباره في العذرية ولو بملاحظة تقصيره في مقدمات قطعه من الأول، الناشئ من جهة قلة مبالاته وعدم تدبره”.
  • ذكر الأستاذ قاعدة في الرد: “لا يعقل أن يكون التنجيز موجوداً وسببه غير موجود” في إشارة لزوال العلم الإجمالي.

الأمثلة والأدلة:

  • مثال الواقف على السطح: استخدم لتوضيح الفرق بين القدرة الحدوثية والبقائية؛ فمن رمى نفسه (زالت قدرته بسوء اختياره) يظل مسؤولاً عن فعله، وقيس عليه من أزال علمه بسوء اختياره للمقدمات.
  • مثال إراقة الماء: من أراق الماء قبل الصلاة وعجّز نفسه، يستحق العقاب لأن القدرة كانت موجودة حدوثاً.
  • أدوات التنجيم: الإشارة إلى الرؤيا والجفر وقراءة الفنجان كطرق غير عقلائية، حيث فصّل الأستاذ بين من حصل له القطع منها اتفاقاً (يقبح عقابه) ومن سلكها عمداً (يصح عقابه).

 

التمرير إلى الأعلى